المساعد الشخصي الرقمي إضغط هنا لمشاهدة المواضيع حسب التسلسل من الأحدث الى الأقدم

مشاهدة النسخة كاملة : رواية جراح باردة ، من روايات عبير جراح باردة


الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:34 AM
الملخص
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg

كارن رضيت أن تطلق من زوجها بول محافظة منها على حريتها واستقلالها , أنها تحبه وتحترمه وتغار عليه من الهواء,ولكنها استسلمت للأمر الواقع حيث أصرَ على الطلاق, لكن بذرة الحب حين تغرس في أرض طيبة تضرب جذورها عميقا , فلا تستطيع أية عواصف أقلاعها .



الحب جمع بينهما , والكبرياء فرَقت , فهل تلغي مشاعر الوحدة والحزن المسافات وترمم القلبين اللذان أنكسرا؟



بول لملم جراحه وأحنى رأسه لمشيئة القدر, أراد أن ينسى ماضيه مع كارن, فخطب أول أمرأة تعرف أليها, ولكن روث لم تكن فتاة أحلامه, فازداد ألما, كارن لم تجد وسيلة لتهرب من ذكريات شهر العسل , وظلَ طعم الماضي يحرق الحاضر والمستقبل الى أين يهرب العشاق؟ والمسافات ضيقة , والدروب جميعها توصل الى الحب.منتديات ليلاس



كارن تريد العودة... وبول أيضا , ولكن صوت الكبرياء يظل عاليا ... فمن يسكت هذا الصوت؟
***************************************

- عودة الى الماضي
خرجت كارن ستاسي من سيارتها الصغيرة السوداء , وألقت بمعطفها المصنوع من فراء الغنم فوق كتفيها قبل أن تغلق الباب اذ كانت ترتجف قليلا من البرد في هذا الطقس البارد من شهر مارس-آذار , عبرت الرصيف وفتحت باب الكوخ المشيد على الطراز الجورجي الذي كانت تمتلكه أمها في ذلك الحي الهادىء , كان الدفء والضوء يغمران البيت في الداخل , فهزت كارن كتفيها بارتياح من هذا الجو السار, وحيتها ليزا خادمة أمها , وأخذت معطفها وعلقته في خزانة القاعة, تستمر ليزا في خدمة الأسرة منذ كانت كارن طفلة, ومع ذلك لم تبد أبدا في نظر كارن أنها قد هرمت , وسألتها كارن مبتسمة:
" أين أمي يا ليزا؟".
" في غرفة الجلوس يا آبسة كارن".
قالت ذلك وهي تنظر بامتعاض الى ثياب كارن, كان السروال الضيق والسترة الثقيلة الخشنة أشبه بلعنة برأي ليزا, فصاحت قائلة:
" هل لا بد من أرتداء هذا السروال البغيض يا عزيزتي؟ أنه لا يليق بسيدة شابة مثلك!".
كانت ليزا كلاسيكية , ولم تتزوج في حياتها , وتعتبر أسرة ستاسي أطفالها, ومع عشرة السنوات الطويلة تعودت أن تكون صريحة معهم , وأجابتها كارن ضاحكة:
" لقد تركت رسومي لتوي يا عزيزتي ليزا, ولا تتوقعي مني التأنق عندما آتي الى هنا , خاصة أنني سأعود بسرعة وأمضي في عملي, بالأضافة الى أن السروال يبعث الدفء , وهو أحدث في هذه الأيام".
وقطبت ليزا جبينها , وتركتها كارن تضحك ودخلت غرفة الجلوس, كانت الغرفة جميلة وتطل على شارع ميسوود , والكوخ مفروش بأثاث مريح وأن لم يكن فاخرا جدا, والسيدة ستاسي تعيش هنا مع أبنتها الصغرى ساندرا.
كانت كارن لا تلتقي كثيرا بأمها وأختها , لأن عملها ورسومها التي تقوم بها في وقت الفراغ تشغل كل وقتها , بالأضافة الى أن هذا البيت يعيد اليها ذكريات كثيرة مؤلمة من الأفضل أن تنساها.
كانت أمها تجلس الى مكتب تحرر بعض الرسائل عندما دخلت كارن, فنهضت لتحيي أبنتها الكبرى, الشبه بينهما قليل, كارن شقراء بشعر ذهبي في حين أن شعر أمها كان في شبابها بنيا مشوبا باللون الأحمر , وعبرت السيدة ستاسي الغرفة وطبعت قبلة على خد ابنتها البارد , ثم تراجعت خطوات وأخذت تنظر اليها , فقالت كارن وهي تبتسم:
" أنني سعيدة برؤيتك , لم أرك منذ فترة طويلة , ومن نبرتك على الهاتف توقعت أن كارثة كبيرة على وشك الحدوث, تصورت أنك بانتظاري أمام عتبة الباب, ولكنك تبدين منهمكة في أفكارك الخاصة بدلا من ذلك!".
تنهدت مادلين بعمق وأجابت:
" حسنا , يجب أن أعترف يا عزيزتي بأنني غاضبة منك لأهمالك ايانا فترة طويلة, أننا من لحمك ودمك ويجب أن تهتمي بنا أكثر!
صاحت كارن شاعرة بالذنب:
" وقتي ضيق يا أمي, وأنا مشغولة دائما, ولكن ما الذي أخَرك عن زيارتي في أي حال؟ أن شقتي قريبة جدا منك".
رفعت مادلين حاجبيها وقالت:
" يا عزيزتي كارن , كلما أتيت لزيارتي أجد نفسي مهملة جانبا, بينما تنهمكين أنت في وضع تصميم جديد أو رسم تلك اللوحات النظيفة, أنك تتحديث معي أحيانا , ولكنني أشعر دائما بأنني أمنعك من المضي في عملك , أنك لم ترحبي بي أبدا رغم أن هذا القول قد يبدو قاسيا".
وشعرت كارن بالأستياء وعدم الأرتياح , كانت تعرف أن كلام أمها صحيح الى حد ما, ولكن حديث مادلين المحدود كان يثير مللها , وكانت تفضل أن تعمل وحدها.
ثم قالت كارن موافقة:
" لقد أوضحت رأيك تماما يا عزيزتي , والآن ما المشكلة؟".
كانت كارن تحب أمها , ولكنها تعرف مدى مبالغتها في تهويل الأشياء , وكان واضحا أن هذه الزيارة لن تكون قصيرة كما تتمنى, وهناك شيء يشغل بال مادلين , ولن ترتاح حتى تقتلعه تماما من تفكيرها, وأخرجت كارن علبة سكائرها , وأشعلت سيكارة , ولكن ما كادت تسمع كلمات أمها الأولى حتى أوشكت السيكارة أن تسقط من يدها, ثم بدأت مادلين تقول بلهجة تعمدت أن تبدو عابرة:
" هل رأيت بول مؤخرا؟".
شعرت كارن أنها تحتاج الى وقت تجمع فيه مشاعرها التي صدمت فجأة , وسحبت نفسا عميقا بتلذذ , وأجابت ببطء:
" كلا, أننا لا نتقابل أطلاقا وأنت تعرفين ذلك , ولكن لماذا تسألين؟ أوه... لعلك قرأت نبأ خطبته في التايمز".
وافقت أمها ببطء وقالت:
" نعم, قرأته , أعتقد أن اسم خطيبته روث ديلاني, أنها فتاة أميركية وابنة رجل ثري على ما أذكر".
تابعت كارن بلهجة جافة:
"أنك على علم تام بالحقائق , حسنا يا أمي , لماذا تتوقعين أن أرى بول؟".
" أعتقدت أنه ربما يكون أتصل بك هاتفيا ليعترض على خروج ساندرا مع سيمون".
اتسعت عينا كارن, وصاحت قائلة:
" سيمون؟ هل يخرج سيمون فريزر مع ساندرا؟ أنه متزوج , ولا بد أنك تمزحين!".
" ليتني كنت أمزح. أنني لا أمزح في أمور كهذه يا كارن, لقد نفذ صبري , أنها ترفض أن تتخلى عنه , رغم أنني توسلت اليها لتفعل ذلك, أنك تعرفين مدى استحالة السيطرة على ساندرا, ومدى عنادها وتمسكها برأيها".
قطبت كارن جبينها وقالت ببرود:
" لا تلومي الا نفسك على ذلك, لأنك كنت دائما تتساهلين معها".
وصاحت مادلين بغضب:
" شكرا, ماذا كنت تفعلين لو تركت وحدك لتشرفي على تربية طفلتين صغيرتين؟".
" كنت أعاملهما المعاملة نفسها, بدلا من تدليل أحداهن والقسوة على الأخرى وضربها بالعصا على ظهرها , في أي حال لا داعي لمناقشة ذلك الآن. أنني أوافق على أن سيمون فريزر لا يصح أن يقترن اسمه بأي فتاة , خاصة اذا كانت بلهاء مثل ساندرا , كيف أكتشفت أنهما يخرجان معا؟ لا أعتقد أنها أخبرتك".
" لا , لقد شاهدتهما احدى صديقاتي يتناولان العشاء معا في الأسبوع الماضي , وأخبرتني , أن ساندرا في السابعة عشرة يا كارن في حين أن سيمون فريزر فوق الثلاثين, أما بول ففي السابعة والثلاثين , أليس كذلك؟".
ردت كارن في صوت مختلج:
" نعم , سيمون ليس الا شقيقه كما تعرفين".
" كما قلت لك, لقد طلبت من ساندرا التوقف عن لقاء سيمون , ولكنها ضحكت مني ولم تهتم لكلامي, تقول أنها قادرة تماما على العناية بنفسها , وأنا وأنت نعرف تماما حماقة هذا الأدعاء مع شخص مثل سيمون , يجب أن نفعل شيئا , أعتقد أن بول هو الشخص الوحيد الذي يستطيع فعل شيء, أريدك أن تتصلي به وتطلبي منه أن يتكلم مع سيمون".
" لا, لن أفعل هذا , لقد طلقني بول في المحكمة قبل عامين ولن أتصل به الآن, لا يمكن".
قالت مادلين في عبوس:
" معنى هذا أن كبرياءك أهم من سقوط أختك . أنها أختك يا كارن".
صاحت كارن وهي تفور غيظا:
" كفي عن التمثيل يا أمي, أنه لن يجدي معي, أن ساندرا في السابعة عشرة كما قلت, وهي ليست طفلة ويجب أن تتحمل مسؤولية خطأها , لقد كنت في الثامنة عشرة عندما التقيت بول, أليس كذلك؟".
ردت أمها بقسوة:
" أنظري ماذا حدث لزواجك , لقد انتهى بعد خمس سنوات, وها أنت الآن سيدة مطلقة في الخامسة والعشرين , أن مسألة الزواج ليست واردة بالنسبة الى سيمون , فهو متزوج بالفعل كما قلت, وهذا يزيد الوضع سوءا".
وبدا وجه كارن شاحبا. لقد أثار هذا الحديث كل الماضي المؤلم الذي حاولت أن تدفنه في العامين الأخيرين, كانت تعرف أن أمها اعترضت على انفصالها عن بول لأسباب أنانية بحتة, فكيف تلقي أمها بالأمر كله في وجهها هكذا؟ كيف يمكن أن تكون مادلين بهذه القسوة؟ كانت كارن دائما فتاة مستقلة مثل أبيها, وكانت مادلين متعلقة بالطفلة ساندرا فأفسدتها تماما من فرط تدليلها , بعد أن قتل أبوهما في حادث طائرة قبل فترة طويلة.
عرفت كارن أن مادلين تريد أنقاذ ساندرا من نفسها ولا يهمها أن ألحقت الأذى بالأخت الكبرى , وشعرت كارن برغبة في الرحيل فورا وترك أمها وأختها تحلان المشكلة وحدهما, ولكنها أدركت أنها اذا فعلت ذلك فأنهما لن يرحبا بها هنا مرة ثانية , لقد كانت ساندرا وأمها كما قالت الأم قريبتيها الوحيدتين, ولا شك أن قطع صلتها بهما سيجعلها وحيدة تماما, فكيف تقدم على شيء كهذا؟
وصاحت أمها:
" حسنا, هل ستتركين حياة أختك تنهار؟".
تنهدت كارن بعمق , كان الأنذار قد صدر ولم تكن مستعدة له. ما الذي تستطيع أن تقوله؟ كيف يمكنها شرح وقول أنها ليست الكبرياء فقط التي تمنعها من الأتصال ببول فهي تخشى أن تخذلها مشاعرها وتخاف أن يلاحظ قلقها! ولكن سيمون كان متزوجا أيضا, ولم يكن يفكر أبدا في زوجته, وكان يجب أن تعتبر ذلكأيضا, من يدري؟ ربما يسعد بول أن يحطم العلاقة , فلم يعد هناك ما يجعله يحب أسرة ستاسي.
وأخيرا وافقت قائلة:
" فليكن الأمر كذلك. ولكن لماذا تتصورين أن بول سيهتم بي أو يتكلم عن سيمون؟".
أجابت مادلين فرحة باستسلام كارن:
" أن بول مغرم جدا بساندرا , كما أنه يعرف سيمون ويعلم أي نوع من الرجال هو".
أطفأت كارن سيكارتها , ووضعت يدها في جيب سروالها. لقد تعهدت بأن تتحدث مع زوجها السابق وتساءلت:
" يا ألهي , أليست الذكريات وحدها كريهة بدون أن يعززها الواقع؟".
كيف يمكن أن تقابل رجلا كانت بينها وبينه صلة حميمة, صلة زواج من دون أن تشعر بسكين يتقلب في داخلها, لقد كانت بينهما علاقة حب عميق , أما الآن؟".
كانت في الثامنة عشرة من عمرها عندما قابلت بول فريزر , وكان يومها رئيس مجلس أدارة شركات فريزر للنسيج , مقرها الرئيسي لندن حيث كانت كارن تعمل مصممة رسوم في الشركة , وعملت هناك نحو عامين , بدون أن تحلم بالأتصال بالرئيس, لقد سمعت الكثير عنه من زملائها , ولكنه لم يكن يشغل نفسه بصغار الموظفين أمثالهم, كان في الثلاثين وغير متزوج والصحف والمجلات الأجتماعية تنشر قصصا عنه أينما ذهب, أشهر رجل عازب في لندن, وكارن تستمع الى الفتيات وأحلامهن عنه, ولكنها لم تكن تشعر بأهتمام خاص نحوه , أذ حظيت باعجاب الكثيرين في محيطها الخاص, ولا تحتاج للتطلع الى مجال أعلى لا فائدة منه, وحدث بعد ذلك أن وضعت تصميما رائعا لسجادة أثار دهشتها كما أثار دهشة الجميع, لقد أنتجت شركات فريزر نماذج متنوعة من النسيج, ولكن تصميم السجادة كان قطعة فنية مبتكرة رائعة, وشعرت كارن بالحرج عندما أستدعاها الرجل بنفسه, واضطرت للذهاب الى مكتبه الذي يقع في الطابق الأعلى من مبنى فريزر, لم تكن عصبية بقدر ما كانت محرجة, ولكن عندما قدمها رئيس قسم التصميم الى بول فريزر , وجدت نفسها مبهورة تماما بسحره وشخصيته , بل وجدت في الأسبوع نفسه شخصيته تفوق سمعته , ولذلك ذهلت عندما أتصل بها تلفونيا ودعاها لتناول العشاء معه, وقبلت بالطبع الدعوة التي حسدتها عليها صديقاتها , وفوجئت بأنه مهتم بها شخصيا لا كمصممة رسوم في الشركة , وفي أسابيع قليلة , توطدت العلاقة بينهما, ومن الغريب أن بول الذي لم ترفضه أمرأة وجد نفسه يتعذب كل لحظة لرغبته في أمتلاكها , وتحول اعجابه بمثلها العليا الى حب ملتهب, وحاولت كارن مقاومة حبه رغم أعجابها به منذ البداية خشية أن يسيطر عليها هذا الحب, ولكن عندما عرض بول عليها الزواج أخيرا كادت تذوب فرحا.
وطارا الى جزر الباهاما لقضاء شهر العسل , وهناك قضيا ثلاثة أشهر ممتعة, ذاقت كارن من السعادة ما لم تذقه في حياتها , وبدا بول سعيدا متراخيا وقد لوحت بشرته الشمس , كان كل منهما يحب الآخر, ولكن عندما عادا الى أنكلترا , حيث المنزل الكبير الذي أشتراه بول بالقرب من ريتشموند , بدأ كل منهما يضيق بالحياة العادية , فيما اضطر بول لقضاء معظم أوقاته في مكتبه , لينجز الأعمال التي تراكمت أثناء غيابه , تاركا كارن وحدها.
لم تشعر كارن بالوحدة أول الأمر , فقد كان المنزل يحتاج الى ديكور جديد, ولم يكن بول جهز الا غرفا قليلة حتى تتولى كارن تأثيث المنزل كله كما يروق لها, وبدأت كارن العمل مع فريق من فناني الديكور وجاءت النتيجة رائعة.
كارن تحب قضاء المساء مع بول عندما يعود الى البيت, ونادرا ما يخرجان , فيجلسان الساعات الطويلة وحدهما يتحدثان ويتغازلان. ومع الوقت وجد بول نفسه مضطرا لزيارة المصانع في ميدلاند في شمال أنكلترا , بعد أن أهمل كثيرا من عمله المعتاد عندما يبقى في صحبة كارن , كان رجلا نشيطا يحب عمله زيهتم به ويكره تركه لمندوب ينجزه له , ومر عام كامل بدون أن يتفقد الشركة, كان يعرف بأنه لن يستطيع التركيز على عمله وهي في صحبته.
في أول الأمر استغرق العمل في منزل تريفاين كل وقت كارن , وكانت تقضي بعضه في حمام السباحة الملحق بالبيت, أو في دعوة الأصدقاء لتناول الشراب أو لعب التنس , ولكن على مر السنين , قلت كثيرا الأوقات التي يقضيانها معا, الا في العطلات التي يأخذها بول, وبدأت كارن تكره طريقة حياتهما الجامدة, وشعرت بالملل لا من بول ولكن من كثرة وقت الفراغ وقلة العمل.
وأخيرا طلبت من بول السماح لها بالعودة الى العمل في الشركة, ولكنه ذهل ورفض بشدة, فبالأضافة الى أنه كان يريدها في المنزل عندما يحتاج اليها فأنه لم يعتبر عملها أمرا ضروريا , وعبثا رجته أن تعود الى العمل لأنها تشعر بالملل , وما لبثت أن وجدت نفسها فريسة القلق والأحباط , وأوجدت هذه المشاعر سلسلة من المناقشات والنزاع حول عملها ووضعها الذي لا هدف له في المنزل, وأقترح بول أن ينجبا أطفالا ويكونا أسرة , ولكن كارن كانت عنيدة حمقاء , فرفضت أن تخضع لرأيه مرة أخرى , وانتابها الهلع عندما فوجئت ببول ينقل ملابسه الى غرفة الضيوف , لقد أفزعتها عواقب تصرفاتها ولكن كبرياءها منعها من التوسل اليه كي يعود اليها.

ومر على زواجهما ثلاث سنوات عندما حصلت كارن على وظيفة في مؤسسة منافسة لشركة بول, وهي شركة مارتن للتصميمات , من غير أن تخبر زوجها , وعندما علم بول بذلك ثار غاضيا , كانت شركة مارتن تحصل على بعض أعمالها من شركة فريزر , فسحب نصيبه فورا, وأسفر ذلك عن مشادة أخرى, وكانت النتيجة أن حزمت كارن أمتعتها وتركت المنزل ولم تذهب الى بيت أمها, التي كانت تعتقد أن كارن يجب الا تحتاج الى أكثر من زوج ومنزل , والتي ظلت غاضبة من كارن مدة طويلة بعد أنفصالها عن زوجها , ولكن كارن صممت على عدم العودة , وعندما علم بظروفها لويس مارتن , رئيس الشركة الصغيرة , أشفق عليها , ولكنه نصحها بأن تكون شجاعة وتتمسك بموقفها, ولم ينصحها بالعودة الى بول.
في ذلك الحين شعرت كارن بالأمتنان نحوه, ولكنها عندما تسترجع الماضي تشعر بالثقة في أنها كانت ستعود الى بول خلال أسبوع , وتوافق على شروطه ولو أنها تركت لحالها , وقام بول بعدَة محاولات فاشلة لمقابلتها , ولكن لويس كان يحرسها وكأنها جواهر التاج الملكي, وظلت كارن وحدها مع أفكارها , كانت كلما اقترحت فكرة رؤية بول, ذكرها لويس بأسباب رحيلها , وكانت كلماته تقوَي من عزمها , وتصورت أنه لا جدوى من عودتهما لأنه سيجر مزيدا من النزاع ويؤدي الى أنفصال آخر, هكذا نصحها لويس وصدقته, ولم لا تصدقه؟ أنه لن يكسب شيئا من وراء هذا الا مصممة من الدرجة الثانية, نسيت الكثير من عملها خلال السنوات السابقة, ثم كيف كان بوسعه أن يعلم أن بول وكارن كانا لا يتشاجران الا نادرا حتى ظهرت مسألة الوظيفة هذه التي أصرت عليها كارن ورفضها بول , أشترى بول شقة وأستأجرتها كارن منه, وكانت بالطبع تدفع الأيجار , كانت سعيدة بأن تكون لها شقتها الخاصة, وقامت بتأثيثها تدريجيا كلما أدخرت المبلغ اللازم لذلك, ورفضت أي مبلغ من لويس , ولم يعد بول يحاول الأتصال بها وتركها تعيش بسلام, وأنهمكت في عملها في شركة لويس الذي كان هو نفسه مصمما ممتازا, فتعلمت منه.
كان لويس أرملا في أوائل الأربعينات, وليس له أطفال, وكانت كارن تشعر بأنها أبنته, ولذلك أحست بصدمة كبيرة عندما عرض عليها الزواج بعد عام من أنفصالها عن بول, رفضت العرض وقالت أنها لا تهواه , وأنها بالأضافة الى ذلك لا تزال زوجة شرعية لبول , ولكنه أخبرها أنه سمع أن بول سوف يقاضيها في المحكمة حتى يحصل على الطلاق, وبعد أيام قليلة تسلمت أعلاما بالبريد بنوايا بول الذي زعم أن سبب رغبته في الطلاق منها هو خيانتها , وذكر اسم لويس باعتباره الرجل الذي تخونه معه.
مع ذلك فأن لويس لم يثر غضبا من ذكر اسمه, رغم ما كتبته الصحف عن تلك القصة, ونصح كارن كما نصحها المحامي الذي أختاره لها بألا تدافع عن نفسها في القضية, لأن الدفاع في مثل هذه القضايا يتحول الى غسيل قذر ينشر أمام الناس , فلا ينبغي لها أن تدافع عن نفسها الا اذا أرادت الكشف عن حياتها الخاصة أمام المحاكم, ولم يكن هناك من تلجأ اليه غير لويس , فعملت كارن بالنصيحة وأنزوت أكثر داخل قوقعتها , وأباح بول لنفسه الكشف عن حقائق معينة أعتبرها الناس حاسمة, وتألمت كارن من صميم قلبها لدرجة أنها لم تعد تهتم , لقد ذكر أن لويس حصل على شقة لها, ولكنها كانت تدفع ايجارها! وأن لويس كان يقضي المساء معها في الشقة, ولكنهما كانا يتناقشان في مشروع أو موضوع جديد, حتى الليلة التي قضاها في شقتها على الأريكة في غرفة الجلوس كانت بسبب الضباب الكثيف الذي نزل على لندن , ومن غير المعقول أن يعود لويس الى بيته البعيد عن هاميسند في مثا ذلك الضباب , على أنها هي نفسها أعتقدت أن لا فائدة من محاولة تفنيد هذه الأتهامات , فقد بدت حاسمة , ووجدت نفسها حرة مرة أخرى بعد أقل من خمس سنوات من زواجها!
كان لويس في أوج القوة في تلك الأيام , فكرَس نفسه لمساعدتها حتى لم تعد تستغنى عنه, ولكنه عندما عرض عليها فكرة الزواج ثانية عارضتها فورا, شعرت بأنها لا تستطيع نقاش هذه الفكرة في ذلك الوقت بصرف النظر عن أي شيء آخر , وقنع لويس بالأنتظار,وبمرور الوقت ألتأمت الى حد ما ماشعر كارن الملبدة وأعتقدت أنها بدأت تتغلب على أزمتها , ولكنها بعد أن استمعت الى أمها تشيد قليلا بمزايا بول , وتسخر منها, أدركت أن أزمتها أزيحت عن ذهنها قليلا, في أنتظار الظهور مرة أخرى, وأقتنعت بأن كل دفاعها لتنكر ذلك لن يؤدي الى نتيجة.
ومع ذلك تعهدت لأمها بالأتصال ببول, ولم تستطع التراجع. كان عليها أن تقابل زوجها السابق لأنها لا تستطيع مناقشة هذا الموضوع معه بالهاتف,ومن يدري؟ لعلها تقابل أيضا روث ديلاني, المرأة التي اختارها لتحل محلها!
وسارت كارن نحو الباب قلقة , بعد أن قررت أن تقابله وتنتهي من الأمر , ولكنها التفتت الى أمها وقالت:
" وماذا لو رفض الحديث معي؟".
أجابتها مادلين في هدوء:
" بول ليس رجلا من هذا النوع , وأنا واثقة من أنه لن يرفض".
كانت صدمة كبيرة لمادلين عندما أضطرت الى أن تتخلى عن حفلاتها الصغيرة التي كان بول يسمح لها بأقامتها , فقد كان دائما حريصا على أن تكون معها نقود كثيرة تكفي لشراء كل ما تحتاج اليه. وكان دائما يبعث اليها بعلب الحلوى والزهور, ومادلين تشعر بالسعادة من هذه الهدايا الصغيرة حتى ولو أرسلها عن طريق سكرتيرته, أما كارن فلم تكن تعلم بذلك من حسن حظها , لأنها كرهت أن تبدو هي وأسرتها في نظر بول أشبه بفقراء معوزين !
وحاولت كارن للمرة الأخيرة التحرر من وعدها, فقالت لأمها:
" لماذا أذن لا تتصلين أنت به؟".
" لا أعرف ماذا أقول يا كارن . لا أستطيع , كنت أنت زوجته؟ ولا شك أنك تعرفينه جيدا, ومن الأسهل أن تتحدثي أنت معه".
احمر وجه كارن.
" لا يمكن أن يكون أحد عرفه كما عرفته هي!
نظرت مادلين الى ساعتها , وقالت وهي تبتسم لأنتصارها :
" أنها الحادية عشرة والنصف, وقد يكون في مكتبه, لماذا لا تتصلين به الآن ومن هنا؟".
أجابت كارن وهي تضغط على كلماتها:
" كلا, سوف أتلفن له من شقتي , هذا اذا لم تمانعي طبعا".
قالت ذلك بلهجة ساخرة جعلت مادلين تزم شفتيها , فردت الأم باقتضاب:
" لا أمانع ما دمت لا تنسين".
" لن أنسى , سوف أتلفن له عندما أعود, هل يرضيك ذلك؟".
ثم خرجت الى القاعة لترتدي معطفها , كانت تشعر بالغثيان وتتوق الى هدوء بيتها , ركبت سيارتها الى مسكنها. منتديات ليلاس
خلعت كارن معطغها وأشعلت سيكارة , وفكرت لحظة وأيقنت أنها تفرط في التدخين , ولكنها سحبت نفسا من السيكارة واستمتعت به وعندما نظرت الى الهاتف , على المائدة بجوار الأريكة بدا وكأنه يسخر منها في صمت , شعرت بأنها تكره نفسها لأنها استسلمت لتهديد أمها , أما أن تتصل هاتفيا ببول وأما أن تتنكر لها الأسرة!
وتساءلت كيف تستطيع أن تمسك بالسماعة وتتحدث الى رجل كان قد طلقها قبل عامين؟ رجل لم تتحدث معه من أربعة أعوام تقريبا؟ ترى ماذا سيكون شعوره عندما تتحدث اليه ؟ هل سيشعر بالسعادة عندما تزحف اليه طلبا لمساعدته ؟ عضت شفتها في غضب, امها هي التي وضعتها في مثل هذا الموقف الحرج, وفكرت في الأتصال بلويس لأخذ رأيه, ولكنها عدلت , فالأرجح سيعتبر تصرفها هذا مثيرا للضحك وينصحها بعدم المضي فيه.
وتنهدت بعمق وهي ترفع السماعة بأصابع مرتجفة , وتدير أرقام شركة فريزر.
ووضعت كارن السماعة, من الغريب أن تشعر بخيبة أمل اذ لم تستطع الأتصال به, حملقت في الفضاء لحظة ثم أمسكت بالسماعة وأدارت رقم هاتف شقته في بلغرافيا , فالأرجح أنه باع منزله الكبير الذي عاش فيه مع كارن , وربنا ر يريد لذكرياته مع كارن بأن تحطم مستقبله.
حبست أنفاسها والخادم يرد عليها بأن السيد فريزر في جولة على فروع الشركة وغير موجود وأنه سيعود في المساء, ومرة أخرى شعرت بالغضب لأنها لم تتحدث معه, وفكرت في الأتصال به ذلك المساء ولكنها عدلت وفضلت الأتصال به في مكتبه حتى تكون للمكالمة طابع العمل, وأتصلت بأمها وشرحت لها ما حدث . وأبدت مادلين أسفها ولكن كان واضحا أنها سعيدة لأن كارن فعلت كل ما طلبته منها بدقة وأمانة.http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
أعدت لنفسها وجبة غداء من البيض المقلي والقهوة, وخطر لها أن تخرج للنزهة, فارتدت معطفها وعبرت الطريق الى منتزه الأطفال المجاور , وأخذت تراقبهم وهم يلعبون ويمرحون, وشعرت كأن سكينا تطعنها وهي تشاهد وجوه الصغار البريئة الضاحكة.
وتساءلت لو أنها أنجبت الطفل الذي كان بول يريده لكان عمره الآن ثلاث سنوات أو أربعا, ومن يدري ربما كان لديها طفلان أو حتى ثلاثة أطفال الآن! وسارت على غير هدى متمنية أن ينتهي اليوم بسرعة وأن يبدأ الغد , كان كل تفكيرها مشغولا على بول , ولا شك أن محاولتها العمل وهي في هذا الوضع ستكون مضيعة للوقت والجهد, بعد نحو ساعتين عادت الى بيتها , فأعدت وجبة عشاء خفيفة, وظلت تشاهد التلفزيون حتى نهايتها , وعندما آوت الى فراشها بدأت تفكر في سيمون وساندرا , كانت ساندرا طفلة حمقاء لا تشعر بمسؤولية, ويمكن أن تتورط في متاعب بسبب تدليل أمها لها طوال هذه السنوات, كانت تقع في مشاكل كثيرة وهي طفلة, وأمها تساعدها وتتلمس لها الأعذار , حتى لم تعد ساندرا تعرف معنى كلمة الأحساس , وأثناء سنوات زواج كارن كان بول يسيطر عليها ويرشدها , ولكن بعد الطلاق عادت الى ما كانت عليه وأصبحت أسوأ , أما سيمون فلم يكن هو وزوجته جوليا يزوران كارن وبول الا نادرا, وكان واضحا منذ البداية أن سيمون يستلطف زوجة أخيه الشابة , ولكن بول أوضح له تماما أنه اذا حاول أن يقترب من كارن فسيقطع رقبته! أما جوليا فقد كانت بنت رجل غني, جنى الهر عليه , وكانت تعلم أن سيمون له نزواته , ولكنها رضيت الزواج منه واعتبرته وسيلة للحياة! وبعد الزواج مضى كل في طريقه رغم أنهما كانا يعيشان تحت سقف واحد, وقرر بول أن يتجنبهما علنا وبصراحة , وتساءلت كارن" كيف ترمي ساندا نفسها بين يدي رجل مثل سيمون فريزر؟ وشعرت بالهلع ! وتمنت أن يفعل بول شيئا, كان هو وحده الذي يستطيع أن يأمر سيمون , لأنه يتولى الأنفاق على الأسرة , ولسيمون شخصية لطيفة برغم كل أخطائه, ولا شك أن ساندرا وجدته جذابا بعد الشباب السخفاء الذين تعودت الأختلاط بهم.
كان الوقت عند منتصف الليل عندما دلفت كارن الى فراشها ولكنها لم تستطع النوم بسهولة, فأفكارها تتركز في بول وذهنها يقظ ى يسترخي , تذكرت كيف كان وسيما بشعره الأسود وبشرته السمراء وعينيه السوداوين وقامته الطويلة التي تعو عن قامتها , رغم أنها هي نفسها كانت فتاة طويلة, كان شعره الداكن قصيرا أنيقا مقصوصا دائما , وكانت كارن تكفيه من جميع النواحي رغم أنه عرف نساء كثيرات قبل أن يتزوجها, تذكرت كل هذا وأخذت تتقلب في فراشها , واضطرت أن تنهض وأن تبتلع حبة منومة, وألقت نظرة على وجهها في المرآة وقطبت جبينها , كان التعب يبدو واضحا على وجهها, ترى هل ستكون متعبة هكذا عندما يراها بول غدا ؟ هل سيشعر بالسعادة لأنه لم يعد متزوجا من أمرأة تبدو مرهقة منهكة؟ وعادت الى فراشها ببطء وانسلت تحت الملاءة , وتذكرت أنها لم تعرف الأرق طوال سنوات زواجها , بالعكس كانت تستغرق في النوم بين ذراعيه وكانت دائما تشعر بالأمن معه , وظلت تحدق في الفضاء حتى بدأ مفعول الحبة المنومة فاستغرقت في سبات عميق.
وفي الصباح التالي استيقظت وهي تشعر بصداع مؤلم . وسمعت صوت خادمتها تنظف غرفة الجلوس بالمكنسة الكهربائية , وعندما نهضت وارتدت معطفها المنزلي وخرجت الى غرفة الجلوس رأتها السيدة كوتسي فسألتها:
" هل أنت بخير يا عزيزتي؟ تبدين مرهقة".
قالت كارن وهي تحتسي القهوة التي أعدتها لها السيدة كةتسي:
" لم أنم جيدا ليلة أمس, هذا هو كل ما في الأمر. سوف تنعشني هذه القهوة".
وانتهت السيدة كوتسي من عملها وارتدت معطف المطر وودعت كارن على أن تراها في صباح اليوم التالي وبدأت كارن تتصفح الصحف التي تحضرها السيدة كوتسي كل صباح. كانت الصحف مليئة بأخبار الأزمات العالمية ولكنها لم تهتم بقراءة شيء منها, فذهنها مشغول بالمحادثة التلفونية مع بول, وأخيرا رمت الصحف جانبا , وجلست تنتظر الساعة العاشرة حين يصل بول الى مكتبه , وبعدما أدارت قرص الهاتف حولتها العاملة فورا الى سكرتيرة بول الخاصة التي سألتها بصوتها الهادىء المهذب عما تريده, عندئذ قالت كارن:
" أخبريه فقط أن الآنسة ستاسي تريد أن تتحدث معه , أنني متأكدة أنه لن يرفض التحدث اليَ".
ولم تستطع كارن معرفة ما اذا كانت الفتاة نفسها قد عرفت الأسم, ولكن بعد خمس دقائق سمعت صوت رجل يقول:
" هل أنت كارن؟".
وأدركت أنه بول , وخفق قلبها بشدة حتى شعرت بأنه قادر على سماعه , كان صوته مألوفا حتى بعد كل هذه المدة , رغم أنه كان باردا جدا, وخذلتها أعصابها لحظة, وتصورت أنها لن تستطيع التحدث اليه, أخيرا تمتمت قائلة:
" نعم , أنا كارن يا بول , كيف حالك؟".
كان صوتها عصبيا , وتمنت أن تكون واثقة من نفسها مثله كما بدا وهو يجيب:
" أنا بخير, شكرا, وأنت؟".
" بخير شكرا".
وانتظر بول, وكان واضحا أنه يتوقع أن تتحدَث وتفسر سبب أتصالها به , وبحثت كارن عن كلمات تبدأ بها الحديث , وعندما سألها بول:
" لماذا اتصلت بي يا كارن؟ لا أعتقد أنك كنت تريدين فقط السؤال عن صحتي".
قالت:
" لا أستطيع أن أحدثك في الأمر على الهاتف, أنه موضوع شخصي, وأفضل رؤيتك للبحث فيه".
وقال بول:
"لا أتصور ما الذي يستطيع كل منا أن يقوله للآخر".
وأجابت بعناية في صوت متزن:
" أن هذا الموضوع يمس شخصين آخرين غيرنا , فلا تفكر في أنني أحاول أن آخذ منك موعدا".
عندئذ قال بول وهو يتنهد:
" لا أفهم شيئا يا كارن , لماذا لا تستطيعين أخباري الآن؟".
" يا ألهي, لماذا لا تصدقني يا بول بأن الموضوع يخصني بقدر ما يخصك".
" ومتى تقترحين أن نلتقي؟".
" ما رأيك لو نتناول الغداء اليوم؟".
" ولكنني مشغول جدا, لقد عدت ليلة أمس من ليدز, ولدي عمل كثير".
ردت كارن بسخرية:
"ولكن يتعين حتى على كبار رجال الأعمال أن يأكلوا شيئا, أم أنك تعيش على حبوب الفيتامينات هذه الأيام؟".
سكت بول لحظة وسمعته يخبط فوق الأوراق على مكتبه , وأخيرا قال ببطء:
" حسنا, أستطيع أن أقابلك".
" لا تضايق نفسك".
" الساعة الواحدة في مطعم ستيبانو هل هذا يناسبك؟ أن هناك مائدة مخصصة لي".
" رائع".
قالت ذلك بجفاف , ثم وضعت السماعة.
وعندما أشعلت سيكارة وجدت أصابعها ترتجف , وكرهت نفسها , هل كان ذلك مجرد موعد لتناول الغداء أم زيارة لغرفة التعذيب! وقضت كارن وقتا طويلا لتقرر ما الذي ترتديه , كانت في حاجة الى ثوب بسيط أنيق حتى لا يتصور بول أن المقابلة أكثر من مجرد لقاء عمل , ومن ناحية أخرى أرادت أن تبدو في أجمل صورة , على الأقل حتى تثبت له أنها تمضي في حياتها سعيدة بدونه, وأخيرا قررت أن ترتدي ثوبا أسود يتناسب وبشرتها البيضاء , كانت فتحة العنق كبيرة مستديرة فأضافت اليه عقدا من اللؤلؤ كان بول قد قدمه لها هدية في عيد زواجهما الأول, ولم ترتد قبعة , كان شعرها الحريري الغزير لا يحتاج الى زينة , ناعما لامعا يلتوي قليلا عند الأطراف, وتذكرت كم أعجب بول بشعرها! وأنعمت النظر في وجهها في المرآة لحظة, وتساءلت : ترى هل تغيرت؟ كان أجمل ما فيها عيناها الواسعتان الخضراوان الرماديتان ورموشها السوداء الغزيرة , وأنفها الصغير الشامخ , أما فمها الممتلىء الكبير في تقديرها فلا تستطيع تغيره! واستقات سيارة تاكسي , متوجهة الى موعدها.
كان مطعم ستيبانو ضخما , واجهته من زجاج في شارع أكسفورد وأم تأكل فيه من قبل, وعندما دخلت استقبلها الخادم وصحبها باحترام بالغ الى مائدة بول , ولم يكن بول قد وصل بعد , فجلست كارن وأشعلت سيكارة, وراحت تجول بعينيها في غرفة الطعام الفسيحة الأنيقة بستائرها المخملية وأزهارها الجميلة.
وبعد خمس دقائق فتح الباب الخارجي وظهر بول فريزر , مرتديا معطفا من وبر الجمل , فخلعه وناوله للخادم الذي يحوم حوله, كانت حلته رمادية أنيقة , ولكنه بدا أكبر وأعرض مما تذكر, ومع ذلك بدا نحيلا رشيقا, وبينما أخذ يشق طريقه بين الموائد , أدركت جاذبيته التي طالما بهرتها في الأيام الخوالي, يسير برشاقة وهو يلقي كلمة هنا وكلمة هناك يحيي بها معرفه , وشعره لا يزال غزيرا أسود, مع بعض الشعر الأبيض عند سوالفه , مما أضفى عليه مزيدا من الأناقة والوقار, وبدا وهو في السابعة والثلاثين رجل أعمال ناجحا أنيقا واثقا من نفسه , وان اكتسب منها بعض الجدية الحادة والسخرية على مر السنوات , فقد كان متوقعا من رجل في مركزه وثروته يعرف أن المال يستطيع أن يشتري له معظم ما يريد.
ووصل الى المائدة, وجلس أمامها وحياها بايماءة من رأسه , وشعرت كارن أنهما محط أنظار الجميع فتوردت وجنتاها وأحنت رأسها , تمتم بول بخفة:
" حسنا يا كارن, لم تتغيري كثيرا, ما زلت جميلة كما كنت وموهوبة أيضا كما سمعت".
نظرت اليه , والتقت عيونهما لحظة, ثم قالت بسرعة:
" شكرا يا بول, وأنت أيضا لم تتغير , هل لا زلت تعمل كيرا؟".
" كنت أعمل حتى جررت الى موعد غداء!".
وجاء الخادم وناوله قائمة الطعام , فاختار بول لكارن ولنفسه الأنواع كما كان يفعل دائما في الماضي , وبادرته كارن قائلة:
" يجب أن أهنئك على خطيبتك. ولكنني لن أفعل!".
" شكرا في أي حال, هل هذا ما تريدين أن تتحدثي عنه؟".
شهقت كارن وقالت بغضب:
"قلت لك أن الموضوع لا يخصنا".
هز بول كتفيه وقال:
" لماذا أذن؟ لا تدعيني متسائلا هكذا!".
" لقد طلبت مني أمي أن أتحدث اليك ".
" أوه, وكيف حال مادلين هذه الأيام؟ أريد أن أزورها مرة".
" أنها على ما يرام . وأنا متأكدة من أنها ستسعد برؤيتك".
" حسنا استمري".
مضت كارن تتحدث بصعوبة:
" أن ما أريد أن حدثك فيه يتعلق بساندرا ".
" لماذا, هل تحتاج الى نقود أو شيء؟".
" لا , أعتقد أن النقود هي كل شيء في نظرك؟".
رد في سخرية:
" أنها تساعد".
" الموضوع ليس نقودا في أي حال , الموضوع أن ساندرا تخرج كثيرا مع سيمون , شقيقك العزيز سيمون!".
رد بول في هلع وقد زالت السخرية من صوته:
" سيون؟ يا ألهي , هل فقدت عقلها؟ أنه أكبر منها بكثير , كما أنه متزوج".
تنهدت كارن وأومأت برأسها قائلة:
" أعرف ذلك , وأنت تعرف أيضا , ولكن يبدو أن ساندرا لا تعرف, أنها طائشة كما تعلم , ومن الصعب السيطرة عليها , وهي غبية يمكن أن تنساق بسهولة لسيومن , يعلم الله أي متاعب يمكن أن تثيرها لنفسها".
" أنها تحتاج الى تأنيب".
قالت كارن بأسى:
" بالضبط , ولكن لا يحتمل أن أحدا سيؤنبها".
" حسنا, وما هو المطلوب مني؟".
نظرت كارن اليه , وأجابت بلهجة حادة:
"أنك تعرف سيمون , وتستطيع أن تتصرف معه , لقد قلت لي ذلك عدة مرات , ونحن نريد منك منعه من مقابلتها فهي لا تستمع الى كلامنا, ولا نستطيع أن نفعل شيئا الا اذا حبسناها في البيت كل ليلة".
" تريدين مني أذن أن أقوم بدور الأب الصارم !".
أحمر وجه كارن وقالت:
" أنه يعمل عندك , وأنت تمده بدخله, وهو لا يملك أموالا خاصة به".
قال بول بجفاف:
" أوه, لقد رتبت كل شيء , أليس كذلك؟".
شدت كارن قبضتها على السكين والشوكة , اذ كان صوته ساخرا مرة أخرى , وقد كرهت الوضع المهين الذي وضعت نفسها فيه.
سألها متعمدا أثارة ضيقها:
"ولماذا يتعين علي فعل هذا؟ أقصد أن سيمون حر وفوق الحادية والعشرين , واذا كانت ساندرا حمقاء وتخرج معه , فيجب عليها أن تتحمل العواقب".
صاحت كارن بحدة:
" نعم يجب عليها, ولو كان الأمر بيدي لما أتصلت بك ولكن أمي طلبت مني ذلك , وأنا لا أهتم مما تفعله في الوقت الحاضر".
ابتسم قائلا:
" أخفضي صوتك يا كارن , هل تريدين كل من المطعم سماع حديثنا ليكون موضوع حديث ساحر بينهم أثناء كوكتيل المساء!".
صاحت:
" أوه , أنك بغيض".
وشعرت وكأنها على وشك الأنفجار باكية في أية لحظة , وقال بول بحدة:
" أهدئي , لقد انتهت مهمتك , وسوف أتحدث مع الأخ سيمون حتى تظلي على علاقة طيبة مع أمك".
" شكرا".
وعندما أنتهيا من الغداء أشعل بول سيكارة وقدمها لكارن قائلا:
" ألا تزالين تعملين مع لويس مارتن؟".
كان كلامه أقرارا أكثر منه تساؤلا , فأجابت ببرود:
" نعم أننا نعمل معا بأنسجام".
قال بهدوء:
" أنا واثق من ذلك, لماذا لم تتزوجيه؟".
" هذا لا يخصك في أي حال".
ابتسم بول في سخرية , فيما نقلت هي نظرتها الى طرف سيكارتها , وقال بول:
"طبعا لا يخصني , أنه مجرد حديث".
وبهدوء سألته:
"كيف حال أمك؟".
كانت أم بول تعيش في جنوب فرنسا واعتكفت هناك بعد موت زوجها وتولى بول أعمال أبيه , وزارتها كارن مرتين أثناء زواجها وأحبتها ولكنها لم تتصل بها كثيرا.
أجاب بول بحزن:
" أنها بخير , أتوقع أن أقيم أنا وروث فترة هناك بعد الزفاف".
" وهل تعرف روث أمك؟".
" نعم, ألتقت بها في حفل الخطبة".
هزت كارن كتفيها وقالت:
" كان يجب علي أن أتذكر متى سيتم الزفاف؟".
فأجاب بهدوء :
" بعد نحو ثلاثة أشهر , أنها تريد أن تكون عروسا في شهر يونيو ( حزيران)".
قالت كارن في تهكم:
"شيء لطيف , أنني واثقة أنها ستسعدك".
" وأنا واثق أنها ستسعدني فعلا , أنها فتاة جذابة".
" وهل ستقومان بشهر عسل؟".
" تريدين معرفة كل شيء عنا , في أية حال لم نقرر ذلك بعد , وربما قمنا برحلة".
وتذكرت كارن كيف قضيا شهر العسل في الفيلا الفسيحة على الشاطىء الكبير ونظرت في وجه بول بدون أن ينتبه , وهالها أن يتزوج من أمرأة أخرى غيرها , وشعرت برغبة في أن تجعله ينظر اليها بعينين ملؤهما الحب كما كان يفعل, تمنت أن تقول له أنها ما زالت تحبه وأنها تريد العودة اليه اليوم اذا سمح لها بذلك, ولكن هذا الشيء الفظيع الذي يسمى بالسلوك المؤدب منعها من ذلك , فأخذا يتبادلان حديثا عابرا , وتجاهلا المشاعر التي تعتمل في نفس كل منهما , وبعد أن شربا القهوة , أعرب بول عن رغبته في الأنصراف , لأن لديه عملا في الساعة الثالثة , وعرض أن يوصلها الى منزلها , ولكنها طلبت أن يوصلها الى شركة مارتن, وقالت متعمدة:
" أريد أن أرى لويس".
ولاحظت أن وجهه أمتعض قليلا, وركبا السيارة بصمت, كانت شركة مارتن لتصميم النسيج في شارع متفرع من شارع بورتلاند ومكتب لويس يقع في الطابق العلوي , ووقفت السيارة أمام المبنى , وقال بول لكارن وهي تغادر السيارة :
" سوف أتصل بك".
وتحركت السيارة بسرعة, واتجهت كارن نحو المصعد وهي تفكر في غضب, لقد بدا رزينا واثقا من نفسه بعيدا عنها , وتمنت لو فعلت شيئا لتبدد هدوءه, لقد تحدث بهدوء عن روث وعن زواجه المقبل , ترى هل سيخبر روث أنه قابلها , من يدري؟ لعله سيضحك معها على اضطرار كارن للجوئها اليه لمساعدتها , تحدث بثقة عن حياته مع روث, لا بد أنه سيطر عليها تماما , كان يخضع أحيانا لرغبة كارن ولكن ربما روث ترضى بأن يكون هو السيد فهي من النوع الرقيق على ما يبدو, ولن يحدث شجار بينهما أو نقاش عنيف أو حتى خلاف في وجهات النظر , سوف تنفذ كل رغباته . ولكن ألا يثير هذا الملل بالنسبة الى رجل مثل بول؟ أنه يحتاج الى شخص يعارضه أحيانا.
ووصل المصعد الى الطابق الرابع , ودخلت مكتب لويس , فرأته جالسا أمام مكتبه يدقق في بعض الأوراق , ورفع رأسه عندما رآها وابتسم, كان رجلا متوسط القامة له شعر أشقر يشوبه البياض, ويضع نظارة على عينيه , وجلست كارن على مقعد أمامه, فقال لها:
" تبدين مضطربة , ماذا حدث؟".
أشعلت كارن سيكارة ونظرت الى لويس , ولاحظت الفارق الهائل بينه وبين بول. ليس فقط في المظهر ولكن في السلوك أيضا, وبعد نحو خمس دقائق كان لويس أثناءها ينظر في أوراقه قالت كارن"
"لقد تناولت لتوي الغداء مع زوجي الفاضل".
بدا على وجهه تعبير غريب , ثم قال:
" لا بدا أنك تمزحين".
أجابت بهدوؤ:
" أنا لا أمزح, لقد كنت مع العزيز بول نفسه".
زم لويس شفتيه وهز كتفيه النحيلتين , وسألها عن سبب اللقاء , شرحت له كل شيء, وعندئذ نهض قائلا في غضب:
" كان يجب على أمك ألا تطلب منك مقابلة بول, ألا تهتم بمشاعرك؟ كان لا بد أن تدرك أنه قد يجد متعة في أهانتك".
" بول لم يحاول أهانتي يا عزيزي, الواقع أنه كان لطيفا ونتفهما للموضوع , ولكن تصور أنني قرأت نبأ خطبته في الصحف, وأردت أن أضايقه, لا أعتقد أنه تصور أنني أحاول أعادته الي".
" وهل ستقابلينه مرة ثانية؟".
" سيتصل بي اذا كانت لديه أية أخبار عن ساندرا وسيمون".
" لا نريد أن يثير لك المتاعب".
أجابت كارن بجفاف:
" هذا مستبعد تماما, أنه مشغول بروث وبزواجه القريب".
"تعرفين أنني أريد رعايتك , ألا تسمحين لي؟".
" أرجوك يا لويس , أخبرتك مرارا أنني لا أهواك وأنا لا أستطيع الزواج من شخص لا أهواه , أن الفكرة نفسها تفزعني , أنني أحترمك ولا أشعر بحب أي شخص الآن".
كانت ذكرى بول تؤنب ضميرها , ولكنها استطاعت أن تتغلب عليها, وكان لويس متفهما, فلم يقل شيئا, ولو أنه تصرف بنحو مختلف لأضطرت الى ترك العمل معه , وفي النهاية قال لويس:
" لدي بطاقتان دعوة لحفل راقص خيري يوم الجمعة, هل تريدين الذهاب؟ سيكون حفلا متألقا وقد ينتزعك من متاعبك".
ترددت كارن, اذ كانت عادة , ترفض مثل هذه الدعوات , ولكنها قررت الذهاب في هذه المرة لعل الحفل الراقص يبعدها عن أفكارها فعلا, وقد يلهيها عن التفكير في بول, قالت ببطء:
" أنها فكرة طيبة يا لويس , أشكرك".
وذهل لويس , وابتسمت كارن من ذهوله وقالت:
" يجب أن أخرج من قوقعتي قليلا, كنت منطوية على نفسي في الأيام الأخيرة".
وقال لويس مبتسما:
" يسرني أنك تريدين رؤية الناس ثانية , أنها بادرة طيبة".
أومأت كارن برأسها وقالت:
" لعل مقابلة بول أفادتني , لقد انتهى كل شيء الآن, أليس كذلك؟".
حاولت أن يبدو صوتها مرحا ولكنها لم تشعر بالمرح, وبدا لويس سعيدا , لقد تغير اليوم كل شيء فجأة بطريقة فاقت كل توقعاته!.

http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:36 AM
2- رجل يقطر مرارة
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg

بعدما أوصل بول كارن الى مكاتب شركة لويس مارتن , عاد بسرعة الى مكتبه في الشركة , والواقع أن عملا كثيرا في أنتظاره , ولكنه فقد حماسه للمضي في أنجازه , كانت أفكاره مشتتة , لم يتوقع أطلاقا أن يذهب لؤية كارن فقد قتلت حبه لها , ومع ذلك لا تزال قادرة على أثارته عاطفيا , أغضبته هذه الحقيقة , لقد التقى في حياته نساء كثيرات أجمل منها , فما الذي يأسره في كارن هكذا؟
في الواقع نسي مدى جاذبيتها, وكانت لمواجهته لها فجأة أثر لا يستهان به عليه , عاد الى مكتبه بمزاج معتل, ودهش عندما وجد روث في المكتب تنتظره, لم يحدث أن أتت روث الى المكتب من قبل, وشعر الآن ببعض الضيق لسبب ما عندما رآها ورفض ربط شعوره هذا بلقائه مع زوجته السابقة قبل ذلك.
ولكن بعد أشارة كارن المتعمدة الى شهر العسل الذي قضياه في ناسو, عادت الى ذاكرته كل تفاصيل علاقتهما السابقة بوضوح مؤلم, لقد استعادت كارن الذكريات أعتقد أنها كتمت في طي النسيان, الا أن كلمة واحدة من كارن بعثت الحياة في كل شيء, لقد جعلته يتذكرها ويشعر بها كأمرأة , أمرأة مغرية لها تأثير مدمر عليه دائما من اللحظة الأولى التي دخلت فيها مكتبه مع رئيس المصممين, ليشكرها الى التصميم المبتكر الذي وضعته للسجادة.
في بداية الأمر جمالها وسحرها الواضح هما اللذان شدَاه اليها, ولكنه بعدما أزدادت معرفته بها وقع في غرامها , لأنها أمرأة ذكية شابة مليئة بالحيوية مرغوبة وقادرة على التحدث معه في أي موضوع يريد مناقشته, وكان يعرف تماما أن أمواله أضافت الكثير الى ميزاته, وعندما رفضت كارن التورط في علاقة غرامية معه وجد تلك التجربة جديدة عليه تماما , فالفتيات في العادة رهن أشارته , وشعر بالأهانة عندما وجد أن كارن يمكنها رفض علاقته, وضايقه أيضا أكتشافه أن أهتمامه بالنساء الأخريات تلاشى , وأدرك أن كارن وحدها هي القادرة على أرضائه الآن, وعلى مر الأسابيع أصبح يحتاج اليها أكثر مما يحتاج ألى أي شخص آخر, ويعرف أنها تبادله شعوره ولكنها لم ترضى الا بالزواج فقط, ومن الغريب أنه وجد أنه لا يعارض , والواقع أن تلك الشهور القليلة الأولى من زواجهما حققت كل أحلامه الجامحة.
ولكنها عندما تحدَته وحصلت على وظيفة من دون أستشارته في شركة لويس مارتن , شعر بأنها أهانته , وغضب بعد ذلك عندما حدث الأنفصال النهائي بأن الكيل طفح, لم يصدق أنها تستطيع ايلام مشاعره على هذا النحو, وعندما أكد مارتن أنها لا تريد رؤيته ثانية فقد الأمل تماما.
في أول الأمر فقد القليل من وزنه , يأكل قليلا ويشرب كثيرا , وظل شهورا يعاني من أرق حاد , وفقد اهتمامه بالحياة , وقد أثَر ذلك على عمله بالتالي , وأخيرا نصحته أمه بأن يأخذ أجازة طويلة , لأنه لم يستطع القيام بأي عمل للشركة وهو في تلك الحالة.
وعندما علم بأنها على علاقة عاطفية مع لويس مارتن , لم يصدق ذلك, لم يستطع الأعتراف لنفسه بأن كارن يمكن أن تكون لها علاقة مع رجل آخر, وخاصة مع رجل مثل مارتن الذي يكبرها كثيرا, وعندما يتصورهما سويا يشعر بالغثيان والغضب, كان لا يزال غارقا في حب كارن , ولو أبدت أية رغبة للعودة اليه لقبلها على الفور, وبالشروط التي تضعها هي.
ولكنه عندما علم أن لويس كان يقضي الأمسيات مع كارن , ونام ليلة في شقتها , أضطر لأن يعترف بأن كل القصص السابقة التي سمعها عنهما كانت صادقة, وهكذا أنتهى زواجهما بلا رجعة.
لقد أنهى الطلاق كل شيء بالطبع وكان الخاتمة الأخيرة , وأقتنع بول تماما بألا يسمح لأية أمرأة أخرى بغزو عواطفه ثانية , وأصبح يسخر بشدة من الحياة والنساء , وعاش بدون تفكير كثير في الغد.
بعد ذلك التقى بروث ديلاني منذ ستة أشهر في حفل كوكتيل في نيويورك , حيث كان يحضر معرضا للنسيج , وفي الحال أتجهت اليه مباشرة , فقد أدركت أنه أكثر رجل جاذبية من بين كل الرجال الذين قابلتهم أو الذين يمكن أن تقابلهم , كانت روحه الساخرة تضيف لمسة قاسية الى شفتيه , ونعم هو أكثر نحولا مما كان عليه قبل الطلاق ويقطر مرارة... ومنذ تلك اللحظة , أصبحت ظله تظهر في كل الحفلات والمناسبات التي يحضرها , حتى أرغمته على أن يلتفت اليها, كان أبوها هيرام ديلاني من كبار رجال البترول وأمواله الطائلة يمكن أن تساعد شركة بول, كما أن مدير العلاقات العامة في شركة بول نصحه بأن يكون لطيفا مع الأميركيين , ووجد بول أن من السهل عليه الأستجابة لهذه الرغبة , وروث فتاة لطيفة, كما أن روحها الشابة يمكن أن تضفي تألقا ومرحا على صورته.
في بداية الأمر كان بول يستغلها فقط ويستفيد من سذاجتها , ولكنها استطاعت أن تنال ثقته بالتدريج , وأخيرا روى لها كل شيء عن زيجته التي أنتهت بالطلاق, وأظهرت روث تعاطفا كبيرا وأشفقت عليه, وجعلته يشعر بأنه رجل شاب نسبيا بلا هدف كبير في حياته , كان بول يعلم جيدا أن روث تعتزم أن تكون هي نفسها هذا الهدف في حياته.
وكرست نفسها له, وعندما عاد الى لندن, استطاعت أقناع والديها بزيارته هناك, والنتيجة أن بول وجد نفسه مع ثلاثة ضيوف بينهم أثنان على الأقل يتوقعان منه أن يتزوج روث! وسمح لنفسه بأن ينجرف مع التيار , وعندما أصبح التيار موجة عارمة , وكان لا بد من القبلة للمحافظة على الأنسجام , قرر أنه لن يحب اطلاقا مرة ثانية , ولذلك فمن المستحسن أن يتخذ لنفسه زوجة ومضيفة , واذا حدث أن أنجب أطفالا بعد ذلك, فأن مأساة زواجه الأول قد تختفي , وهكذا أصبح هو وروث خطيبين , وشعر والداها بالرضى أخيرا, فعادا الى الولايات المتحدة , وتركا روث في رعاية بول.
كانت روث ترتدي اليوم معطفا من الفراء الثمين , وقبعة أنيقة بها ريش وردي وتبدو أنيقة جدا بملابسها الثمينة , ولكن بول تنهد بعمق وهي تنهض لمقابلته , واتجهت نحوه وسط سحابة من العطر الفرنسي المثير , وقالت بلهجة تأنيب:
" أهلا يا حبيبي , لم تخبرني أنك ستتناول الغداء في الخارج, أنني أنتظرك هنا منذ ساعة تقريبا".
سمح بول لشفتيها أن تلمسا خده قبل أن يبتعد ويخلع معطفه, ثم قال:
"آسف يا روث... لم يكن أمامي الا الذهاب".
ووضع معطفه فوق أريكة منخفضة , ثم سار نحو مكتبه وألقى بنفسه على المقعد وراءه , ومد يده ليأخذ علبة سكائره, ورفعت روث معطفه وهي تبتسم ابتسامةلها معنى , وعلقته فوق المشجب قبل أن تجلس على الكرسي أمامه , ثم تمتمت قائلة:
" والآن ما هو هذا الشيء الهام جدا الذي جعلك تترك كل شيء وتخرج لتناول الغداء ؟ عندما طلبت منك مساء أمس أن نتناول الغداء اليوم سويا قلت أن وقتك لا يتسع لشيء".
أجاب بول وهو يسحب نفسا من سيكارته:
" كان هذا صحيحا تماما ".
قالت روث:
" لماذا تبدو متوترا متجهما , ولا تبدو عليك السعادة لرؤيتي؟".
هز بول كتفيه وتمتم وهو يقطب جبينه:
"آسف يا روث ... كنت أفكر فقط".
حملقت فيه روث بعينيها البنيتين العميقتين , وأخيرا قال بول:
" لقد تناولت الغداء مع كارن".
اتسعت عينا روث وقالت:
" كارن ... هل ... هل تعني...؟".
" نعم ... أعني زوجتي السابقة".
ذهلت روث وبدا عليها الوجوم ... كانت كارن حتى الآن أشبه بطيف غامض يلوح في الخلفية ولكنه لا يتجسد ... وحاولت روث أن تحتفظ برباطة جأشها , وهتفت قائلة:
" لا بد أن ما حدثتك عنه كان هاما جدا".
وضمت قبضتيها , وهي تتساءل في قرارتها: ما معنى هذا؟ لا يمكن بالطبع أن يعتزم التورط مع كارن مرة أخرى! ولأول مرة بدأت تساءل عن شكل كارن , أن بول لم يحاول أن يصفها لها , ولم تبد هي في الواقع أي أهتمام بذلك.
وقال بول ببطء:
" نعم كان شيئا هاما... أختها ساندرا التي لا تتجاوز السابعة عشرة من عمرها تخرج مع سيون ... الأخ العزيز سيمون!".
تراخت قليلا أعصاب روث المتوترة وقالت:
" ولكن سيمون رجل متزوج يا بول . لقد قابلت زوجته جوليا في الأسبوع الماضي فقط... ولم يظهر عليها ما يجعلني أعتقد أن هناك نزاعا بينها وبين زوجها أو أنهما ينويان الأنفصال".
تجمد تعبير ساخر على وجه بول , وصاح وهو يهز رأسه:
" يا عزيزتي روث , أنهما لا ينويان الأنفصال , أن سيمون يتصرف هكذا دائما , وكذلك جوليا ... أعتقد أن بينهما أتفاقا مريحا جدا!".
ابتسم أبتسامة ساخرة وأضاف:
" صحيح! من الواضح أن الحياة جنبتك الأشياء الكريهة يا روث, تنبهي... أن مثل هذه الأمور تحدث دائما".
فصاحت وهي تعض شفتيها :
" حسنا, أعتقد أنه وضع مقزز , أننا في القرن العشرين ولم يعد الناس يفكرون في عشاق أو محظيات! قد يلتقي شخصان مثلنا ويكتشفان اذا كانا منسجمين أم لا, ولكن التصرف على هذا النحو... حسنا ... أني أعتبره وحشية... أبعد ما يكون عن التحضر!".
هز بول كتفيه وأجاب:
" أنني أعرف أن سيمون يبدو زير نساء في نظرك, ولكن حياته الخاصة لا تهمني في الواقع وما دام عمله لا يتأثر بتصرفاته , فأنه يستطيع أن يفعل ما يشاء , ولا شأن لي به, على أن الوضع مختلف في حالة ساندرا ... لقد طلبت مني كارن نيابة عن أمها أن أتدخل , أن ساندرا صغيرة حمقاء بل طائشة اذا شئت, وهي تتورط في وضع فوق طاقتها اذا تورطت مع سيمون...".
بدا الغضب على روث وأعترضت على محاولة كارن الأستحواذ على زوجها السابق , وقالت في غضب:
"أذا كانت هذا الساندرا مثل كارن فأنني أعتقد أنها قادرة جدا على أن تعنى بنفسها , ولعلها تستحق ما يحدث لها".
بدا وجه بول باردا , وأدركت روث أنها تفوهت بالأمر الخطأ ...
وسألها ببرود:
" وما الذي تعرفينه عن كارن بالضبط؟".
مدت روث أصابعها , وركزت عينيها على خاتم الخطوبة الزمردي الذي يتلألأ حول أصبعها , محاولة الدفاع عن نفسها :
" لقد روت لي جوليا الكثير عن كارن".
نفض بول سيكارته وقال:
" حقا؟ لم أكن أعلم أنكما تتحدثان معا حديثا وديا ... ماذا قالت لك؟ ... أخبريني؟".
احمر وجه روث خجلا وقالت:
"لا تكن مجنونا يا بول , أن جوليا لم تقل لي أكثر مما خمنته من كلماتك أنت بنفسك عن الموضوع , بحق السماء لقد أنتهى الأمر الآن, آسفة اذا كنت تلفظت بكلمات غير مناسبة , ولكنك لم تعد خادمها الآن؟".
هز بول كتفيه وقال:
" أقترح أذن أن تنسي أي شيء قالته لك جوليا عن كارن , أنها تعرف جيدا أن كارن أفضل منها بكثير , وقد أظهر سيمون دائما أن كارن تأسر لبه , أنني أعرف أن له نساء أخريات ولكن جوليا لا تعرف أطلاقا من هن, وقد كانت صدمة كبيرة لها عندما وجدته يحاول التقرب من زوجة أخيه".
أمتقع وجه روث , وقالت:
"وهو كذلك يا بول , لا بد أنها أمرأة رائعة".
ولكن السخرية بدت واضحة في عبارتها الأخيرة , وتمتم بول وهو يفكر:
" نعم".
ثم عادت روث الى الهجوم وسألته:
" في أية حال ... ألم تكن تستطيع أن تتصل بك تلفونيا , ألم تستطع حتى أمها أن تتصل بك؟".
" لقد أتصلت تلفونيا بالفعل , ولكنني لم أفضا مناقشة الأمور العائلية في التلفون , الذي أشك في سريته".
وهزت روث كتفيها وقالت ببرود:
" لعلك على حق... ولذلك تناولتما الغداء معا على نحو أليف".
ابتسم بول في جفاف وتمتم قائلا:
" لا أستطيع أن أصفه بأنه أليف".
ووقفت روث قائلة:
" حسنا ... لقد أنتهى كل شيء... أعتقد أنك ستقوم بدور الأب الصارم مع سيمون".
" سأحاول , كانت ساندرا فتاة لطيفة , صحيح أنها مدللة ولكنها لطيفة , ولا أحب أن يحدث لها أي ضرر".
وعضت روث شفتها ثانية , وشعرت بضيق من هذا الحديث , كان الهدف من زيارتها للمكتب أن تخفف من رتابة اليوم الكئيب لبول, ولكنها بدلا من ذلك انتظرت أكثر من ساعة , وعندما عاد الآن لم يجد ما يتحدث عنه الا كارن! شعرت بحزن عميق, وكانت على حق في شعرها هذا , أرادت أن تعتبر نفسها المرأة الوحيدة في حياة بول , لقد ولى الماضي , أما هي فكانت الحاضر, لقد تحطم زواجه السابق نتيجة تهور أحمق , وكانت تريد أن تكون هي الزوجة التي يحبها . لم يكن في نيتها أن تسمح للملل أن يدخل حياتها , وكانت مقتنعة في الواقع بأن الحياة مع رجل مثل بول لا يمكن أبدا أن يشوبها الملل.
ونظر اليها بول بضجر , وقال بجفاف:
"لا تقلقي . أن كارن لا تهتم بي , وهي لا تزال تعمل في شركة لويس مارتن , وأعتقد أنها ستتزوجه يوما ما, بل يدهشني أنهما لم يتزوجا حتى الآن , لقد توقعت أن يتزوجا بمجرد أنهاء الطلاق".
ولاحظت روث أنه لم يقل أنه لا يهتم بكارن , ولكنه تعمد أن يتجنب الأشارة الى هذا , في أية حال لا يمكن أن يكون مهتما لها, ولو كان مهتما بها حقا لحاول أن يستردها ... لا , لا ... أنه يحب روث ولن يدع كارن تستغفله مرة أخرى.... أنها مقتنعة بذلك . أن كبرياؤه على الأقل , أن لم يكن أي شيء آخر , تمنعه من ذلك.
قالت وهي تسترخي قليلا:
" أنني مسرورة جدا... والآن , أين نذهب الليلة؟ أعني اذا كنت تستطيع أن تنتزع نفسك من المكتب".
ضاقت عينا بول على نحو غامض , ولم تستطع روث معرفة فيم يفكر.
وقال وهو يمر بيده خلال شعره الغزير:
"أين تودين الذهاب؟".
هزت روث كتفيها وهي تقول:
" الى الأوبرا...".
" حسنا , سأطلب من الآنسة هوبر لتأتي بالتذاكر, وسأمر عليك في الفندق لتناول العشاء أولا ... هل هذا يناسبك؟".
وافقت روث بحماس وقالت:
" رائع...".
لقد عاد الآن الى أرض يعرفانها , ولم يعودا يسيران بين ألغام قديمة لم تنفجر , وأستطردت روث قائلة:
" على فكرة يا حبيبي , أن لديَ بعض التذاكر لحفل خيري راقص يقام في المانيفيك يوم الجمعة , أعتقد أنه مثير , وأتمنى حضوره".
كان بول في تلك اللحظة لا يشعر بأية رغبة في الذهاب الى حفل راقص , فقطب جبينه وقال:
" أني في العادة لا أذهب الى مثل هذه الحفلات يا روث , أنني أشتري تذاكر بالطبع , ولكن...".
صاحت قائلة:
" ولكن ماذا يا بول؟ أريد أن أذهب... ألا يعني هذا شيئا بالنسبة لك؟".
أدرك بول أنه تصرف بطريقة فظة فقال محاولا أن يرضيها :
" بالطبع يعني الكثير , آسف يا روث , سنذهب طبعا اذا كانت هذه هي رغبتك".
ابتسمت روث شاعرة بالأنتصار , وتأكدت ثانية من مركزها فقالت:
" شكرا يا حبيبي, والآن سأنصرف وأتركك لعملك... لقد ضيعت وقتك بما فيه الكفاية".
وبعد أنصراف روث دفن بول رأسه في يديه , كانت الغيوم تسود أفكاره الكئيبة , ومشاعره تجرح كرامته , فثار على نفسه لهذه المشاعر. كان يوما عجيبا والتوتر فيه أكثر مما توقعه.
تنهد وأشعل سيكارة أخرى, وصب لنفسه كأسا من الشراب , ولم يسعه الا أن يتذكر كم أن روث وكارن مختلفتان ... الواقع أن الأختلاف هائل... أن روث قصيرة , بينما كارن طويلة مثيرة, شعر روث مجعد قصير , بينما شعر كارن طويل مستقيم ... كانت روث تفضل الثياب الأنيقة المعقدة, بينما كارن تفضل الثياب البسيطة والبنطلونات ... لا بد أن هذا يعني شيئا بالتأكيد , وابتسم لنفسه , لا شك أن أي طبيب نفساني يفسر ذلك على أنه نوع من الأضطراب الذهني لعله كذلك! لعل عقله الباطن رفض أي تشابه بين المرأة التي طلقها والمرأة التي ينوي أن يتزوجها , ولكن مهما حدث فأن كارن لن تدخل حياته مرة أخرى , أن روث تحبه لنفسه ولن تطلب منه أي شيء لا يريد أن يعطيها اياه أنها ستحمل أطفاله , ولن تريد أن تكون شيئا غير حقيقتها.
بعد يومين وفي صباح يوم الخميس وبينما كانت كارن ترتدي ثيابها دق جرس التلفون فجأة , كانت الساعة العاشرة والربع , هرعت لترد على التلفون , وسألت نفسها وهي تلهث ... ترى هل يكون المتحدث بول ؟
ما لبثت أن سمعت صوت رجل يقول:
" أهذه أنت يا كارن؟".
وأدركت فورا أنه ليس صوت بول , فقالت وقد أنتابها شيء من الفضول.
"نعم,,, من المتحدث؟".
أجاب ساحرا :
" ألا تتذكرينني , أنا الذي تحطم قلبه!".
وفجأة عرفته... فسألته وقد أدركت أنه صوت شقيق بول:
"ماذا تريد يا سيمون ؟ وأين أنت في هذه الساعة المبكرة؟".
أجاب بسرعة:
"أنا تحت ... هنا... أريد أن أراك ... هل أستطيع الصعود؟".
قالت وهي تتنهد:
" نعم ... ولكنني لم أرت ثيابي ... أنتظر دقائق".
أجاب بسرعة:
" سوف آتي فورا".
ثم وضع السماعة.
وعضت كارن شفتها... ترى ما الذي يريده منها سيمون؟ أنه لم يتصل بها أطلاقا من قبل , ومنظ الطلاق لم تره الا صدفة , ترى هل يريد مناقشة موضوع ساندرا ؟ وتمنت ألا يفعل.... كانت تأمل أن يكون بول قد قام بتسوية الأمر.
وما كادت تلتفت حتى سمعت طرقا على بابها , ولمت أطراف الروب جيدا حول جسمها وذهبت تفتح , كانت تبدو جميلة , وكان الروب بلونه الأزرق الداكن يبرز لون بشرتها البيضاء ... وفتحت الباب , وتألقت عينا سيمون عندما رآها , كانت دائما تسحره , ولكنها أوضحت منذ البداية أنها لا تحترمه كثيرا , كان يكبرها بخمس سنوات , ولكنه كان يتصرف وكأنه أصغر منها بعشر سنوات , كان نسخة من بول, ولكن شعره الأسود أطول وبشرته تبدو شاحبة من قلة تعرضه للهواء الطلق , كان جذابا في نظر كارن , لقد وقعت نساء كثيرات أسيرات سحره, ولكنهن كن مثله في العادة , يعشن ليومهن ولا يفكرن في الغد, وكانت علاقته هذه مع ساندرا مغامرة جديدة, وقد أستاءت كارن لأن ساندرا لم تستطع أن تراه على حقيقته شخصا ضعيفا لا يعتمد عليه.
قالت كارن بصراحة:
" حسنا , ماذا تريد؟".
صاح يؤنبها:
" ألا تسمحين لي بالدخول؟ ثقي أنني لم أحضر لمضايقتك , مهماكان تفكيرك!".
تنهدت كارن بعمق , وتراجعت خطوات كي تسمح له بدخول الشقة, وعندما سار نحو الأريكة الوثيرة , جلس مسترخيا وتمتم قائلا:
" أن شقتك جميلة بالتأكيد يا كارن".
قالت كارن بسرعة:
" دعك من المقدمات ... قل ماذا تريد وأنصرف!".
ولكن سيمون لم يكن حريصا على أن يفعل هذا الآن بعد أن أسترخى في الأريكة , فتثاءب وقال:
" يا ألهي ... أنني متعب".http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
صبت له كارن فنجانا من القهوة وأعطته أيه, ولاحظت أنه يرتدي سترة عشاء تحت معطفه فقالت:
" أعتقد أن الوقت مبكر بالنسبة لشخص مثلك ... ألم تنم؟".
ابتسم سيمون ساخرا وقال:
" يا صغيرتي العزيزة كارن ... لقد كنت ألعب الورق ... هذا كل ما في الأمر , أعترف بأنني لم أقض الليل بين ملاءات حريرية فوق مخدة وثرة , ولكنني لم أكن منغمسا في أية حماقات!".
أشعلت كارن سيكارة , وأبتعدت عنه , وفجأة سألها سيمون :
" أخبريني يا كارن... لماذا لا أجذبك؟ في حين أن الأخ الأكبر بول كان يسلب عقلك!".
احمر وجه كارن وأجابت وهي تلتفت اليه ببطء:
" هل تريد أن تعرف السبب حقيقة؟ يوجد سبب يا سيمون , وهو أنك في نظري مجرد أنسان ضعيف غبي لا تفكر الا في نفسك , هل يقنعك هذا الرد؟".
احمر وجه سيمون ووضع فنجان القهوة فوق الصينية بعد أن شربه, وقال بلهجة مرحة أثارت غضب كارن من جديد:
"أنا الذي أثرت كل هذا".
وتساءلت كارن كيف يجلس هناك ويسمح لها بأن تتحدث أليه بهذا الأسلوب؟ أليس لديه أحساس؟ كرامة؟ ومرة أخرى تنهدت وقالت له:
"حسنا يا سيمون , والآن بعد أن فرغت من قهوتك هل تسمح وتخبرني لماذا أتيت الى هنا؟".
" بعد كل ما قلته أشعر بأن حضوري جهد ضائع , كنت أتصور أنك تستلطفينني حتى لو كنت في المرتبة الثانية بعد بول".
هزت كارن كتفيها وقالت:
" حسنا, لقد عرفت الآن قيمتك عندي , لماذا حضرت؟ هل جئت لتتحدث عن ساندرا؟".
أومأ سيمون قائلا:
" نعم... أننا نقضي معا وقتا ممتعا".
صاحت كارن:
" يمكن أن أتخيل هذا, كان يجب أن يكون لديها احساس أكثر , وأنت كذلك".
" لقد طلب مني بول يا عزيزتي أن أترك ساندرا, وكنت آمل أن تستطيعي أقناعه بالا يتدخل , أنني لم أضر ساندرا في أية حال".
قالت وهي مدهوشة من عجرفته:
" لا بدد أنك تمزح, يا ألهي! أنني أنا يا سيمون التي طلبت من بول أن يتدخل , لقد كادت أمي أن تنهار عندما أكتشفت أن ساندرا تخرج معك".
نظر اليها سيمون بامتعاض وقال:
" كارن , هل تقصدين أن تقولي لي أنك أنت وراء كل هذا ؟".
أجابت ببرود:
" نعم, أنا وأمي ... لماذا تندهش يا سيمون؟ أنك لا تصلح لأية أمرأة , بصرف النظر عن جوليا .... أنك متزوج , هل تتتذكر هذا؟".
قطب سيمون جبينه ورد غاضبا:
" هذا شأننا".
صاحت كارن:
" هل كنت تعتقد حقيقة أنني سأشجع علاقة بين أختي ورجل متزوج, أي رجل متزوج؟ هذا الى أن رجلا مثلك يؤثر عليها تأثيرا سيئا, أنها طائشة بما فيه الكفاية , بدون أن تزيدها طيشل بطريقتك المجنونة!".
تمتم قائلا وقد بدا غاضبا:
" صحيح! شكرا يا آنسة ستاسي , ولكن لا أعتقد أنك تعرفين مدى حب ساندرا لي , لن تستطيعي أن تفرقي ما بيننا بسهولة , ان بول يعتقد أن له اليد العليا ولكن المسألة ليست بهذه البساطة".
سألته كارن بقلق:
" ماذا تقصد؟".
وفكرت:
بالتأكيد لن تحدث ردود فعل عكسية في هذا الموضوع البغيض, وفجأة سمعت طرقا على الباب ,فعبست ورفع سيمون حاجبيه ثم قال بسخرية:
" مزيد من الزوار! ترى من القادم؟".
هزت كارن كتفيها وأطفأت سيكارتها وسارت نحو الباب لتفتحه,وفوجئت ببول يقف أمامها... بقامته الطويلة يرتدي حلة زرقاء داكنة جميلة وقميصا أبيض , وربطة عنق زرقاء , كان منظره الأنيق يتناقض مع مظهر سيمون الهزيل , وأدركت كارن أن بول كان دائما يبدو على أجمل صورة , وأكثر أناقة من أي شخص آخر مهما كانت ملابسه.
ولكن وجه بول كان باردا وهو يتطلع الى الرجل الجالس على الأريكة... كانت عيناه الداكنتان عميقتين , وشعرت كارن بالهلع من الضجر الذي بدا على وجهه , وأخيرا قال:
" حسنا ... حسنا... أنك اليوم شعبية! أم يجب أن أقول أنك شهيرة!".
ثم نظر الى روب كارن ووجهها الخالي من المساحيق, وأدركت فورا ماذا يقصد... فصاحت قائلة وهي تضم أصابعها:
" يا لها من مفاجأة!".
أجاب بول بسخرية واضحة:
" أنا واثق أنها مفاجأة فعلا, لو كنت أعرف أن لك علاقة وثيقة هكذا بسيمون لطلبت منك أن تناقشي معه موضوع ساندرا بنفسك. كنت أعتقد أنك أرفع من أن تهتمي برجل مثله".
وصاحت كارن في يأس:
" كنت... أقصد... لا يمكن أن تتصور أنه جاء الى هنا لأنني دعوته!".
أجاب بول ببرود:
" وواضح أنه يبدو وكأنه في منزله هنا! لعلك أردت أن يقطع علاقته مع ساندرا حتى لا يكون لك منافس!".
وفي هذه اللحظة قرر سيمون أن يتدخل فنهض قائلا ببطء متعمد:
" رغم أن هذا يؤلمني فأنني يجب أن أقول أن كارن لا تهتم بي... لقد قالت ذلك بصراحة وبطريقة لا تثير الشك".
تنهدت كارن بارتياح وقالت:
" أشكرك...".
ولكن وجه بول لم يتغير ... وهز كتفيه قائلا:
" في أية حال يا كارن لا بد أنك علمت أنني تحدثت مع سيمون, وأنه وافق على قطع علاقته مع ساندرا ... وفي أية حال يا سيمون ليس من الضروري أن تكون لك علاقة مع الأثنتين ... أعتقد أنك ستجد كارن كافية لسد حاجتك!".
تحركت يد كارن لتصفع وجهه عندما تفجر غضبها. ولكنه كان أسرع منها فقبض بأصابعه القوية على رسغها , وضاقت عيناه وهو ينظر الى وجهها البيضاوي الشاحب , وقال بهدوء وقسوة:
" مسكينة يا كارن... أنك لن تتعلمي أطلاقا يا حبيبتي , أليس كذلك؟".
صاحت غاضبة وهي تجز على أسنانها:
" دعني وشأني".
قال وهو يترك ذراعها فورا:
" يسرني ذلك... لا أظن أننا سنلتقي ثانية , وداعا يا كارن".
واستدار وخرج . ووقفت كارن ترقبه وهي تدلك رسغها . كان الغضب باديا عليها, وعندما اختفى بول انقلبت على سيمون وبصقت عليه وقالت:
" أنظر ماذا فعلت... أنكم يا آل فريزر تتصورون أنكم تحكمون الأرض!".
اتسعت عينا سيمون وصاح قائلا:
" لا تلوميني . أنني لم أثر ذلك الأعصار, صحيح أن بول لم يسعده أن يراني هنا, ولكن هذا لا يهم, أنه لم يعد يعني شيئا لك وأنت لا تعنين شيئا له, فلماذا تغضبين؟".
" أخرج...حالا".
" وهو كذلك يا حبيبتي, ولكن تذكري ما قلته".
ثم أردف قائلا وهو يسير نحو الباب:
" هل تعتقدين أن الأخ بول يرضى بأن يوصلني الى المكتب اذا طلبت منه ذلك؟".
صفقت كارن الباب وراءه بدون أن ترد عليه, واستندت على الباب وهي تشعر بالغثيان! كان صباحا سيئا رغم أن الساعة لم تتجاوز الحادية عشرة بعد!
ودخلت غرفة نومها لترتدي ثيابها , وتركت دموعها تتدفق على خديها , أنها لم تجد فرصة لتخبر بول بما قاله سيمون هن ساندرا , ولا يبدو أنها ستجد الفرصة بعد الآن , وراحت تحدث نفسها... لماذا... لماذا اختار بول ذلك الصباح ليأتي ؟ أما بالنسبة لسيمون فأن غروره أقنعه بأنها مغرمة به جدا , ولا يهمها أن تقف وترى حياة أختها تنهار بدون أن تحاول أن تتدخل لتمنع ذلك... وتنهدت بعمق... لقد بدت الحياة معقدة فجأة.
تناول بول الغداء وحده في مطعم صغير قريب من الشركة, كان يشعر بالأكتئاب النفسي والقلق الجسدي, ولم يشعر بشهية لتناول الطعام فشرب ثلاثة فناجين من القهوة بدلا من وجبته المعتادة.
أن رؤية أخيه في شقة كارن ذلك الصباح هزت كل كيانه بعنف , وجعلته مضطربا مشوشا , فلعن نفسه لأنه ذهب الى هناك, ولعن نفسه أيضا لأنه كان غبيا واهتم بهذا الموضوع , كان السبب الوحيد لذهابه الى الشقة هو أن يتحدث مع كارن وحدها عما دار بينه وبين سيمون بشأن ساندرا, وقد ذهل عندما رأى أخاه هناك. لماذا كان هناك في أية حال؟ هل يمكن أن يكونا عاشقين؟
عذبت الأفكار ذهنه المتألم فحدق ساهما في سيكارته , أن سيمون لم يكن قد قضى الليل في بيته . وكارن كانت ترتدي معطفا منزليا , ما معنى هذا؟ ومرة أخرى عاد يفكر ويتساءل ... ماذا لو فكرت كارن بأن تبدأ علاقة مع سيمون ؟ ما الذي سيفعله في هذه الحالة؟ هل يمكن أن يحتمل هذا الوضع؟واذا لم يحتمله, فماذا؟ لقد أثارت مقابلة معها كل هذه الأفكار فتمنى لو لم يكن قد ألتقى بها مرة أخرى, لقد بدت حياته المتكاملة هشة وكأنها تتحول الى رمال... رمال عاطفية, وهنا هز رأسه , ترى لماذا يفكر في كارن ... لقد خطب روث ولا شك أنها ستعزيه وتسليه اذا شاء هو ذلك , ما الذي يجعله متعلقا الى هذا الحد بكارن؟


وانتهى من فنجان القهوة الأخير وما كاد ينهض من مكانه حتى سمع صوتا شابا يقول لف في مرح:
" هالو بول... يا لها من مفاجأة ! هل تسمح لي بالجلوس؟".
صاح قائلا وهو يقف:
" ساندرا!".
والواقع أن رؤية ساندرا أخت كارن أدهشه , وفكر, لا بد أن شيئا من مشاعره يبدو على وجهه بعد تأملاته العميقة.
لم تكن ساندرا ستاسي تشبه أختها كارن الا قليلا , كانت أقصر بكثير , وبدينة نوعا ما ولا تهتم بالموضة , وكان شعرها الأشقر الطويل ينسدل على جانبي وجهها البيضاوي , ولكنه لم يكن مصففا بعناية مثل شعر كارن.
قال بول بلهجة مهذبة:
" كنت على وشك الأنصراف , لم أكن أعلم أنك تترددين على هذا المكان".
والواقع أن المطعم كان مكانا غاليا بالنسبة لها, أجابت وهي تبتسم في ثقة:
"أنني لا آتي الى هنا عادة... ولكنني أعمل في محل قريب لتصفيف الشعر كما تعلم, وقد وعدني سيمون بتناول الغداء معا , الأفضل أن تعلم لأنه قد يأتي في أية لحظة".
وفكر بول في أن هذا غير محتمل في الظروف الراهنة, ولكنه لم يرد , لم يكن في نيته أن يخبرها بأنباء سيمون السيئة لأنها ستعرف بنفسها قريبا.
سألها ببطء:
" هل أستطيع أن أطلب لك شيئا؟".
" كلا, شكرا, سوف أنتظر, كيف حالك؟ لم نرك أنا وأمي منذ فترة طويلة, لقد تركتنا تماما...".
هز بول كتفيه وقال وهو يقدم لها سيكارة:
" نعم, أنها الحياة ومشاغلها".
" لقد خطبت أخيرا , أليس كذلك؟ قرأتالنبأ في الجريدة أن رئيسي يحضرها كما تعلم".
ابتسم بول ونهض واقفا ... لم يكن مستعدا للحديث, فقال معتذرا:
" يجب أن أذهب".
" وهو كذلك يا بول... أنني أفهم موقفك , أن سيمون أيضا رجل مشغول جدا , ودائما يسرع عائدا الى المكتب , أخبرني يا بول... هل تعترض على علاقتنا؟".
" أنك أصغر منه بكثير يا ساندرا ... وبالأضافة الى ذلك فأن سيمون رجل متزوج , ألا تهتمين بزوجته جوليا؟".
قالت ساندرا بصراحة صبيانية :
" أنك تعرف أي نوع من النساء هي... أن سيمون سيرعاني في أية حال مهما حدث".
قال بول:
" أشك في هذا , حتى ولو كان ملاكا متنكرا , فأنه لا يزال رجلا متزوجا , يجب أن تحترسي أن سيمون ليس من طراز الرجل المخلص المستقيم".
وارتدى بول معطفه, لقد بدت ساندرا هائمة في حب سيمون لدرجة أنها لا تعتم بسلوكه أو شخصيته , أجابت:
" ولكنه كان صغيرا جدا عندما تزوج , وهو لا يكبرني الا بثلاثة عشر عاما فقط , أن كارن تصغرك بأثنتي عشر عاما".
أجاب بول ببرود:
" كانت كارن أكبر منك بكثير وهي في الثامنة عشرة, آسف يا ساندرا ولكنها الحقيقة".
صاحت ساندرا بغضب:
" أنني أضيق من سماع هذا ... كيف يمكن أن تكون كارن كذلك؟ ".
هز بول كتفيه , كيف يمكن أن يشرح لها أن كارن ولدت أكبر منها؟".
ألقى نظرة على ساعته وقال:
" يجب أن أذهب , الى اللقاء".
ضحكت ساندرا في مرح قائلة:
"ألى اللقاء يا بول, سوف أبعث لكارن بحبك!
ولكن بول ابتسم ابتسامة باهتة وأنصرف.






http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:37 AM
3- لا قاع لعينيهhttp://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg
يوم الخميس اتصلت كارن تلفونيا بأمها وأخبرتها أنها تلقت تأكيدا من بول بأنه تحدث مع سيمون , ولم تعط أية تفصيلات عن مقابلتهما , برغم أن مامادلين بذلت كل ما في وسعها حتى تعرف ما حدث بينهما , وظلت كارن مبتعدة عنها, وأكتفت مادلين بالأعتقاد بأن كارن فعلت كل ما تستطيع.
كانت سعيدة جدا لأن ساندرا لم تعد مرتبطة بذلك الرجل الفظيع , وأيقنت أن ساندرا سوف تلجأ اليها أخيرا بحثا عن السلوى, وتساءلت كارن في كآبة ... ترى اذا حدثت مواجهة بين أمها وساندرا , فهل تعترف الأم بأن لها يدا في ذلك الموضوع؟ كانت الأم بحاجة الى أن مرغوبة, ولو أن ساندرا أكتشفت أنها هي التي فرضت هذا الأجراء القاسي لأنقلبت على أمها بلا شك ...
وتنهدت كارن . لم تكن هي وساندرا تشتركان في أشياء كثيرة... ولم يكن يهمها رأي ساندرا فيها في أية حال.
أما بالنسبة للأم فلا شك أن الأمر سيتحول الى مأساة أذا بدأت ساندرا تظهر رغبة في الأستقلال عنها مثل كارن... وهي لم تكن موافقة أطلاقا على تصرفات كارن في أي شيء, أما ساندرا فهي طفلتها المدللة, وقد تعلقت بها دائما لهذا السبب.
بعد أن وضعت كارن السماعة أشعلت سيكارة, كان الوقت متأخرا بعد الظهر وأذا لم تبدأ عملها بسرعة فسيضيع يوم آخر, ولكنها لم تشعر باهتمام بعملها في تلك اللحظة, ووجدت أفكارها تعود بها الى بول وخطيبته.http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
وفي مساء اليوم التالي أرتدت ملابسها بعناية كبيرة استعدادا للحفل الراقص المقام في فندق مانيفيك , أرادت أن تبدو أنيقة جميلة متألقة ولو مرة... كانت قد عزلت نفسها عن الناس مدة طويلة , ولا يمكن أن تستمر الحياة على هذا النحو خاصة أنها شابة وغير مرتبطة بأحد, فمن الحكمة أن تخرج وتتمتع بالحياة.
وعندما ارتدت الثوب الجديد أنساب رائعا فوق جسمها , وأبرز خصرها النحيل الجميل , كان مصنوعا من القماش الأسود برقبة مرتفعة مستديرة , ووضعت في أذنيها قرطا طويلا من الماس كان يهتز ويبرق كلما حركت رأسها.
وأرتدت معطفا من الفراء الفضي , قدمه لها بول هدية في أحدى المناسبات , أما شعرها فتركته ينسدل برقة فوق كتفيها , وكان لونه الفاتح يبرز لون ثوبها القاني, ويتهدل على خديها ويحيط بملامحها الجذابة, وشعرت بالندم لحظة لأنها تأنقت على هذا النحو من أجللويس, لقد عرض الزواج أكثر من مرة, وكان يلح دائما لكي تكون زوجته, ومن يدري لعله يتصور أنها تعمدت أن تتزين حتى تجذبه اليها ! وتنهدت كارن , لم تكن تستطيع أن تبدل ثيابها في أية حال , لقد تأخر الوقت , وقد يأتي لويس في أية لحظة الآن, وألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة ثم ذهبت لتناول بعض الشراب قبل أن يصل لويس.
شعرت بحزن مفاجىء في قرارة ذهنها عندما فكرت في بول ... ترى هل كان سيعجب بثوبها ؟ تمنت أن تراه على الأقل لتثيت له أن حبها له لم يقض عليها ... تمنت أن تراه نادما ولو قليلا على الطلاق , ولكن هذا كان أملا ضئيلا جدا! من يدري لعله وجد روث في مثل جمالها , ولا شك أنها ستكون سعيدة جدا حين تصبح زوجته , ولن تفرض عليه أية طلبات كما فعلت هيhttp://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:48 AM
3- لا قاع لعينيه
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg
يوم الخميس اتصلت كارن تلفونيا بأمها وأخبرتها أنها تلقت تأكيدا من بول بأنه تحدث مع سيمون , ولم تعط أية تفصيلات عن مقابلتهما , برغم أن مامادلين بذلت كل ما في وسعها حتى تعرف ما حدث بينهما , وظلت كارن مبتعدة عنها, وأكتفت مادلين بالأعتقاد بأن كارن فعلت كل ما تستطيع.
كانت سعيدة جدا لأن ساندرا لم تعد مرتبطة بذلك الرجل الفظيع , وأيقنت أن ساندرا سوف تلجأ اليها أخيرا بحثا عن السلوى, وتساءلت كارن في كآبة ... ترى اذا حدثت مواجهة بين أمها وساندرا , فهل تعترف الأم بأن لها يدا في ذلك الموضوع؟ كانت الأم بحاجة الى أن مرغوبة, ولو أن ساندرا أكتشفت أنها هي التي فرضت هذا الأجراء القاسي لأنقلبت على أمها بلا شك ...
وتنهدت كارن . لم تكن هي وساندرا تشتركان في أشياء كثيرة... ولم يكن يهمها رأي ساندرا فيها في أية حال.
أما بالنسبة للأم فلا شك أن الأمر سيتحول الى مأساة أذا بدأت ساندرا تظهر رغبة في الأستقلال عنها مثل كارن... وهي لم تكن موافقة أطلاقا على تصرفات كارن في أي شيء, أما ساندرا فهي طفلتها المدللة, وقد تعلقت بها دائما لهذا السبب.
بعد أن وضعت كارن السماعة أشعلت سيكارة, كان الوقت متأخرا بعد الظهر وأذا لم تبدأ عملها بسرعة فسيضيع يوم آخر, ولكنها لم تشعر باهتمام بعملها في تلك اللحظة, ووجدت أفكارها تعود بها الى بول وخطيبته.
وفي مساء اليوم التالي أرتدت ملابسها بعناية كبيرة استعدادا للحفل الراقص المقام في فندق مانيفيك , أرادت أن تبدو أنيقة جميلة متألقة ولو مرة... كانت قد عزلت نفسها عن الناس مدة طويلة , ولا يمكن أن تستمر الحياة على هذا النحو خاصة أنها شابة وغير مرتبطة بأحد, فمن الحكمة أن تخرج وتتمتع بالحياة.
وعندما ارتدت الثوب الجديد أنساب رائعا فوق جسمها , وأبرز خصرها النحيل الجميل , كان مصنوعا من القماش الأسود برقبة مرتفعة مستديرة , ووضعت في أذنيها قرطا طويلا من الماس كان يهتز ويبرق كلما حركت رأسها.
وأرتدت معطفا من الفراء الفضي , قدمه لها بول هدية في أحدى المناسبات , أما شعرها فتركته ينسدل برقة فوق كتفيها , وكان لونه الفاتح يبرز لون ثوبها القاني, ويتهدل على خديها ويحيط بملامحها الجذابة, وشعرت بالندم لحظة لأنها تأنقت على هذا النحو من أجللويس, لقد عرض الزواج أكثر من مرة, وكان يلح دائما لكي تكون زوجته, ومن يدري لعله يتصور أنها تعمدت أن تتزين حتى تجذبه اليها ! وتنهدت كارن , لم تكن تستطيع أن تبدل ثيابها في أية حال , لقد تأخر الوقت , وقد يأتي لويس في أية لحظة الآن, وألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة ثم ذهبت لتناول بعض الشراب قبل أن يصل لويس.
شعرت بحزن مفاجىء في قرارة ذهنها عندما فكرت في بول ... ترى هل كان سيعجب بثوبها ؟ تمنت أن تراه على الأقل لتثيت له أن حبها له لم يقض عليها ... تمنت أن تراه نادما ولو قليلا على الطلاق , ولكن هذا كان أملا ضئيلا جدا! من يدري لعله وجد روث في مثل جمالها , ولا شك أنها ستكون سعيدة جدا حين تصبح زوجته , ولن تفرض عليه أية طلبات كما فعلت هي
وسمعت طرقا على الباب , فذهبت لتفتحه ووجدت لويس أنيقا في ملابس السهرة, وعبَرت عيناه ببلاغة عن أعجابه بها, دعته كارن للدخول فقبل الدعوة بحماس, ولكن كارن لم تضيع وقتا كثيرا, كانت سعيدة متحمسة للذهاب الى الحفل بعد أن جاء لويس.
تناولا العشاء في مطعم مانيفيك, ووجدت كارن نفسها تتعرف على بعض نجوم السينما والتلفزيون , وفي غمرة اهتمامها نسيت حالة الأكتئاب التي أنتابتها من قبل, وعندما تبهت فجأة الى أن لويس يخاطبها قالت:
" آسفة يا لويس... كنت أسرح بعيدا".
ابتسم قائلا:
" كنت فقط أقول يا لك من فتاة شابة رائعة الجمال يا عزيزتي".
أجابت بمرح:
" شكرا يا سيدي الطيب , كنت أتساءل... اذا ا كان ينبغي عليَ أن أقبلك زوجا؟ أنك صبور جدا معي في الواقع يا لويس , لماذا لا تبحث لنفسك عن زوجة؟ أنا لن أتغير... وأنت تعرف ذلك".
ضاقت عيناه قليلا ثم قال:
" سنرى, أن مدبرة شؤون بيتي سوف تترك العمل في نهاية الشهر القادم فأختها التي تقيم في غلاسغو و دخلت المستشفى , وعدتها أن تذهب لتقوم بخدمتها عندما تعود الى بيتها ... ألا يهمك أن تتولي عملها؟".
سألته كارن محاولة أغاظته:
" كمدبرة لبيتك؟".
قال لويس في تصميم :
" بل كزوجتي!".
هزت كارن رأسها وسألته وهي تحاول الهروب من الرد:
" أليست هذه جين مانرنغ التي تقف هناك؟ أنها تبدو أصغر كثيرا من صورتها في السينما".
هز لويس كتفيه النحيلتين وقال:
" أنك ماهرة جدا ... أليس كذلك يا كارن؟".
تساءلت ببرود:
" ماهرة في أي شيء؟".
عبس لويس وقال بهدوء:
" أنك تعرفين ما أعنيه... ولكننا لن نشير الى الموضوع ثانية اذ يبدو أنه يضايقك".
توهج وجه كارن وهما يتناولان الطعام في صمت, وبعد ذلك بدآ يشربان القهوة , فقال لويس:
" أخبريني , هل سويت الموضوع الذي يتعلق بساندرا بطريقة مرضية؟".
" تستطيع أن تقول هذا... علينا أن ننتظر ونرى . أليس كذلك؟".
أجاب وهو يحاول أن يبدو غامضا:
" كما يحدث في كل الأمور".
وبعد أنتهاء العشاء قاما لينضما الى حشود المدعوين للحفل الراقص الذي بدأ في الساعة العاشرة والنصف, وبدأت كارن تستمتع بالحفل, وقبل أن يدخلا قاعة الرقص , ذهبت الى غرفة خلع المعاطف لتصلح من زينتها ... كانت الغرفة تعج بالنساء الأنيقات اللواتي أرتدين أجمل الثياب , وتحلين بالزمرد والياقوت والماس وكأنهن يتنافسن في روعة الحلى.
أصلحت كارن زينتها ووضعت أحمر الشفاه على شفتيها , كانت رموشها الطويلة لا تحتاج الى طلاء, وقد وضعت قليلا من ظل العيون على جفنيها , وكان شعرها الناعم يبدو أكثر جمالا وجاذبية من التسريحات المعقدة على رؤوس النساء حولها.
ما لبثت أن عادت الى لويس في قاعة الرقص , وكان واقفا يراقب الراقصين ويدخن سيكارة , فقال عندما رآها:
" هل أنت مستعدة ؟ يوجد حشد كبير هنا كما ترين ... فلنحاول أيجاد مائدة".
" هيا بنا يا لويس...أنني سعيدة جدا لأنك دعوتني , فأنا مستمتعة جدا بالحفل".
قال لويس برقة:
" أنا أسعد يا عزيزتي".
وسارا بين الراقصين الذين أمتلأت بهم قاعة الرقص , كانت الموائد متناثرة على الأرض اللامعة وكل مائدة في وسطها مصباح يبعث وهجا جميلا ... الغرفة الموسيقية المشهورة في أقصى طرف القاعة, بينما أقيم مقصف طويل في الطرف الآخر , وكانت بقية الجدران مزودة بمرايا طويلة تعكس صور الراقصين عدة مرات , والسقف مرتفعا مقوسا يرتكز على أعمدة رائعة تبرز أناقته , قالت كارن وهي تنظر حولها باهتمام:
"أنه رائع... لم أتصور أنه سيكون على هذا النحو".
ابتسم لويس سعيدا بأنه أسعدها , ووجدا مائدة شاغرة , فطلب بعض المشروبات من خادم مر بجانبه , كان هناك عدد كبير من الخدم يمرون بين الضيوف , وبدا كل شخص مرتاحا سعيدا , وبعد أن راقب لويس الراقصين بعض الوقت قال لكارن:
" هل ترقصين أم تفضلين الجلوس ومراقبة الرقص؟".
صاحت كارن مبتسمة:
" لا ... لا , أفضل الرقص , دعنا نرقص يا لويس, أن قدميَ متحفزتان للرقص!".
ابتسم لويس وأمسك بيدها, وبدآ يرقصان على ايقاع الموسيقى.
وشعرت كارن بالسعادة تغمرها وكأنها تحيا من جديد , واستطاعت بسهولة أن تتبع خطوات لويس , وقد أدهشها ذلك في الواقع, لأن فترة طويلة مرت عليها لم ترقص خلالها... كان راقصا جيدا , فرقصا ثلاث رقصات بدون أنقطاع.
وفجأة عزفت الفرقة الموسيقية رقصة تشاتشا , ونظرت كارن الى لويس , وسألته وهي تبتسم محاولة أن تغيظه:
" هل تستطيع الرقص على هذا النغم؟".
أجاب وهو يبتسم أيضا:
" أستطيع أن أجرب فقط".
وعبثا حاولا الرقص على الأيقاع السريع , لم يكن لويس راقصا بطبيعته , ولم تستطع كارن متابعة حركاته الحادة, وضحكا كثيرا .
وفي تلك اللحظة لفت نظر كارن أربعة أشخاص يدخلون قاعة الرقص, وكانوا يحاولون الوصول الى مائدة قريبة من الفرقة الموسيقية , وشقوا طريقهم بين حشود المدعوين , كانوا رجلين وأمرأتين , وأحد الرجلين بول فريزر! ولاحظ لويس ارتباك كارن فسألها بلهفة:
" ماذا حدث يا كارن؟ تبدين شاحبة".
أجابت وهي تحاول التركيز على قدميها:
"لقد وصل بول لتوه , لم يرني , مع أنه مع أيان فيلوز وزجته وأمرأة أخرى لا بد أن تكون روث كما أعتقد".
كان أيان فيلوز صديق دراسة قديما لبول , ويزورهما هو وزوجته كثيرا في المنزل أيام زواجهما.
وقطب لويس جبينه غاضبا وصاح:
" يا ألهي... لقد ذهبت الى عشرات من هذه الحفلات الخيرية ولم ألتق به في أي حفل منها! لماذا قرر أن يأتي الليلة؟".
أجابت كارن وهي تمر بلسانها فوق شفتيها اللتين جفتا فجأة :
" لم يكن خاطبا من قبل, لعل روث هي التي أقنعته بالحضور".
أومأ لويس قائلا:
" ربما... هل تريدين أن تجلسي؟".
" أرجوك".
شعرت كارن برغبة في أن تخفي نفسها قدر الأمكان , وطلبت عصيرا عندما عادا الى مائدتهما التي كانت لحسن الحظ بعيدة عن مائدة بول وصحبه, كان في استطاعة كارن أن تراهم بدون أن يلحظوها وشربت كأسها , وقدم لها لويس سيكارة , وراحت تتطلع الى روث, كانت تشعر بالفضول وتريد أن ترى هذه المرأة التي ستكون زوجة بول الثانية, ورأت أن روث ترتدي ثوب رقص رائعا من الساتان الوردي المشغول بالدانتيل , واعترفت كارن بأنها جذابة جدا , ومليئة بالحيوية, كانت روث قصيرة القامة جدا اذا قورنت ببول , ولعل قصر قامتها وضغر حجمها يشعرانه بأنه يحميها!



ما لبث الرقص أن بدأ مرة أخرى , وأمتلأت القاعة بالراقصين ولم تعد كارن تستطيع أن تراهم, ونظرت الى لويس فوجدت أنه يراقبها, فقالت بخفة:
" أذن هذه هي روث ... أنها جميلة جدا .... أليس كذلك؟".
قال لويس وهو يقطب جبينه:
" أعتقد أنها جميلة , برغم أنني شخصيا أفضل الشقراوات ... وهي تبدو ثرثارة".
ولاحظ كل منهما كيف تحاول روث أحتكار الحديث ولفت نظر بوب اليها.
قالت كارن وهي تبتسم وتتنهد:
" أنك متحيز!".
قال لويس فجأة وهو يحتسي شرابه ويأمر الخادم باحضار شراب آخر.
" ترى ما الذي ستفعله ساندرا اذا لم تعد تلتقي مع سيمون؟ أعتقد أنها في حاجة الى يد صارمة! كان يجب على أمك أن تتزوج مرة أخرى".
قالت كارن في تكاسل:
" كان بول يسيطر عليها... وكانت تحترمه!".
وتصلب وجه لويس وهو يقول:
"أذن أستطيع أنا أن أنفعل نفس الشيء أيضا".
احمر وجه كارن وقالت:
" أشك في ذلك يا لويس".
ونظرت الى وجهه الشاحب النحيل, كانت تعرف أن لويس ليس لديه القوة اللازمة للسيطرة على فتاة دون العشرين , مثل ساندرا . لم يكن لديه أية خبرة , أما بول فقد كان يسيطر على سيمون دائما في شبابه. وكانت ساندرا تطيع بول بسبب ملامحه الداكنة الوسيمة وجاذبيته الساحرة , كان يتمتع بسحر كبير... لا أحد ينكر ذلك, وساندرا وقعت ضحية لذلك السحر , لقد تصورت أنها وقعت في غرامه, ونفذت كل رغباته وكأنها أوامر , أما لويس فلا يحتمل أن يروق لها بهذا المعنى, أضف الى ذلك أن مادلين نفسها لم تكن تستلطف لويس في حين أنها هي أيضا كانت تحب بول.
وابتسمت كارن للويس قائلة:
" لويس يا حبيبي... لا أعتقد ذلك , أن ساندرا ليستمن طرازك, كما أنك لست من طرازها, ولكنها تصورت دائما أنها مدلهة بحب بول , كانت تسير وراءه مثل كلب صغير ولا أعتقد أنها كانت ترى أي شخص غيره!".
دهش لويس , أن فكرة تدلُه ساندرا بحب بول لم تخطر على باله أطلاقا , ووجد الفكرة مقززة.
وانتهت كارن من سيكارتها , ونهضت واقفة وهي تقول:
" عن أذنك لحظة.... سوف أذهب الى غرفة خلع المعاطف ولن أغيب كثيرا".
فقال لويس بسرعة وهو ينهض واقفا:
" سوف أنتظر هنا".
ابتسمت وانسلت بين الموائد , واتجهت نحو الباب بحثا عن هواء القاعة الرطب, كانت تحتاج الى هواء طلق أكثر من أي شيء آخر. واستخدمت حقيبة السهرة كمروحة , وسارت ببطء في الردهة الى غرفة خلع المعاطف , وما كادت تصل حتى رأت بول.
كان يستند باهمال الى أحد الأعمدة وهو يدخن سيكارا ويتحدث مع رجل آخر.
سارت كارن نحوهما وعندما أقتربت منهما نظر اليها بول, ولم تبد الدهشة على وجهه الوسيم , وأفترضت أن رآها حتى قبل أن تراه, وعندما نظرت اليه تعجبت , لماذا سمحت للويس بأن يقنعها بأن الطلاق من بول كان أفضل شيء؟ لو أنها تركت وشأنها لعادت اليه... بل أنها ترغب في العودة اليه في هذه الليلة! لو أنه لم يطلقها لما فكرت أطلاقا منه ولظلت زوجته, وعندما التقت عيونهما بدا باردا بعيدا , لدرجة أنها غضبت من هدوئه الواضح.
على أنه استقام وألقى بسيكاره على الأرض وسحقه بكعب حذائه, كان واضحا أنه لا ينوي أن يتجاهلها , وشعرت كارن بسعادة بدون أن تدري سببا لها , وألتفت رفيقه أيضا ورآها , ولاحظت كارن أنها لا تعرفه من قبل.
وتمتمت لنفسها وقد غمرتها سعادة كبيرة بأنها تبدو في أجمل صورة في ثوب السهرة الجديد.
" أهلا يا بول".
كانت تريد أن يراها بول , وقد تحققت رغبتها الآن.
أومأ بول برأسه قائلا:
" أهلا يا كارن".
كانت عيناه عميقتين لا ترى لهما قاعا ... والتفت الى رفيقه وكان رجلا في حوالي الخامسة والثلاثين , له شعر أشعث أشقر, ووجه مرح صبوح , وقبل أن يقدم بول كارن ابتسم الرجل بمرح وقال:
" هيا يا بول... ألا تقدمني؟ يبدو أنك تعرف أجمل الفتيات !".
ابتسم بول نصف ابتسامة وتساءلت كارن: ترى ما الذي يدور في ذهنه؟ هل كان يفكر أن روث أجمل منها؟ وقال:
" كارن... هذا هو أنتوني ستوكر , صديق قديم من أيام الجامعة, وهذه كارن يا توني , كارن ستاسي".
وتردد لحظة قصيرة جدا عند ذكر اسم أسرتها وكأنه لا يزال يعتقد أنها كارن فريزر.
وقالت كارن مبتسمة:
" هالو".
فصافحها توني بقوة ورد بدوره:
" كيف حالك؟".
كانت يده كبيرة غليظة ولكن أظافره أنيقة جدا, كان كل شيء فيه كبيرا.
والواقع أن شخصيته تعوض عن كل نقص في مظهره , كان يبدو رجلا ودودا لطيفا , فاستراحت اليه كارن فورا , لم يكن من النوع الذي يمكن أن يجذبها اليه , ولكن يمكن أن يكون صديقا.
وأجابت بلهجة مؤدبة:
" أنني بخير , هل تستمتع بالحفل؟".
أجاب توني:
" جدا , الواقع أنني ساعدت في تنظيمه".
وابتسم لها ثم صاح فجأة:
" يا ألهي يا بول! لقد تذكرت , هل هذه... أقصد ... الفتاة التي كانت زوجتك؟".
هز بول كتفيه العريضين , وقال ببرود , بينما شعرت كارن بوجنتيها تتوهجان:
" لقد كانت زوجتي منذ سنوات طويلة".
" يا ألهي , هل تصرفت كالأحمق يا بول؟".
أجاب بول بهدوء:
" أبدا... أن كارن أمرأة جذابة جدا, وهي تعرف هذا بالتأكيد".
زادت حمرة وجه كارن , كانت تكره أن يتحدث عنها أحد وكأنها ليست موجودة , وقاطعت حديثهما قائلة:
" هل أنت بمفردك يا بول؟".
أجاب وهو ينظر اليها:
" أنني أنتظر روث في الواقع , وأعتقد أنها في غرفة خلع معاطف السيدات".
" لقد رأيتك عندما وصلت قبل ذلك".
" أعرف أنك رأيتني . لقد رأيتك عندما جلسنا الى المائدة".
وارتجفت كارن , لم تكن تعرف أنه شاهدها كما شاهدته , ترى ماذا ظن بها ؟ هل أعتقد أن الفضول كان يتملكها ؟ كان الحديث بليدا جدا وتمنت أن يخطر على بالها شيء مضحك حتى تجعلهما يضحكان , وأخيرا تمتمت قائلة وهي تنظر الى بول من خلال رموشها الغزيرة:
"على فكرة بول , شكرا لأنك تحدثت مع سيمون".
بدا بول متضايقا بعض الشيء كما توقعت , ونظر اليهما توني , وكان واضحا أنه مذهول من تحول الأحداث , ومضت كارن تقول في تصميم:
" لم تعطني فرصة أمس لأشكرك كما يجب!".
أجاب بول بجمود , بينما لمعت عيناه على نحو خطير وكأنه يتحداها أن تقول المزيد:
" لا داعي للشكر".
نظرت كارن الى توني , وتمتمت وهي تبتسم:
" لا تقلق علينا ... أنا وبول لا نزال صديقين طيبين ... أليس كذلك يا حبيبي؟ أننا أنس متحضرون في أية حال , أليس كذلك؟ لسنا بدائيين , ونستطيع أن نتصرف على نحو طبيعي بعضنا مع بعض , ألست على حق يا بول؟".
أجاب بول في برود , ولكن عينيه كانتا تبرقان غضبا:
" تماما...".
وقطع توني الحرب غير المسلحة بينهما بقوله:
" ما رأيك في أن تعودي معي الى قاعة الرقص يا كارن ؟ أود أن أرقص معك اذا سمحت".
تصلب بول عندما سمع كلمات توني , وأدركت كارن أن بول لا يريد أن ترقص مع توني لسبب ما , هل يمكن أن يكون غيورا؟ لا ... أن هذا أمر مضحك... لعله كان لا يريد صديقه أن يعرف أمرأة مثلها أو على الأصح مثل ما تصورها عليه , وتجاهلت موقفه وأجابت:
" شكرا يا توني , أنني أود جدا أن أرقص معك".
والتفت توني الى بول وقال:
" رائع.... سأراك فيما بعد أذا يا صديقي العزيز!".
وقال بول:
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg" طبعا".
كان بول ممتعضا , وأدركت كارن أنها ضايقته , ولكن الى أي حد؟ هذا ما لم تستطع معرفته.
أمسك توني يدها وعادا الى قاعة الرقص , واثبت أنه راقص ماهر رغم كبر حجمه, كما كان رفيقا مسليا , وقال لها أنه هو نفسه قد دعا بول وأصدقاءه الى هذا الحفل ضيوفا له , وأن رفيقته رفضت الحضور في آخر لحظة.
وأخبرها أنه يملك مزرعة في ولتشاير كانت ملكا لأسرة ستوكر على مدى أجيال , لم تكن أسرته ثرية لأن كل أموالها كانت تضيع في حرث وفلاحة الأرض , وهذا يفسر سبب غلاظة يديه.
أعجبت كارن بتمسكه بأرضه وعدم تخليه عنها, لو أنه باع المزرعة لأستطاع هو وأمه وأخته أن يعيشوا في لندن في رغد نسبي, ولكنهم أحبوا الأرض وفضلوا أن يقيموا في ولتشاير ويساعدوا مستأجريهم. ومن وصفه بدت المزرعة جميلة كما بدت أسرته من النوع الريفي العريق حتى أذا كانوا أسياد القصر , وأخبرها أن أباه قد توفي وأن أمه وأخته تعيشان في قصر قديم فسيح يطل على المزارع.
ورغم أنه كان قد عرف بول منذ أيام دراستهما في (أكسفورد) ألا أنهما التقيا مؤخرا فقط وجددوا علاقتهما , فتناولا الغداء سويا مرتين, وتعرف توني على خطيبة بول الأميركية.
وتركته كارن يسهب في الحديث فقد أثار أهتمامها على نحو غامض, ولكن ذهنها ظل يفكر في بول! كان جميلا أن تستمع الى حديثه بينما كان نصف ذهنها يفكر في شيء آخر , كان رفيقا لا يطلب شيئا فانقادت له بسهولة وبلا تفكير.
وفجأة لمحت لويس وشعرت بتأنيب الضمير, لقد بدا متوترا بل غاضبا من شيء ما, وعندما رآها أيضا ولوحت له بيدها عبس وتجاهلها, وشعرت بالقلق والذنب, وعندما انتهت الرقصة أخبرت توني أنها كانت مع رئيسها في العمل وأنه ينتظرها.
فصاح توني:
" حقا؟ حسنا... هل يمكن أن أنضم اليكما لحظة".
زمت كارن شفتيها وقالت:
" بالطبع. لويس وأنا صديقان قديمان ولن يعترض بالتأكيد ".
رد توني بحرارة:
" حسنا جدا, أنني أود أن أرقص معك مرة أخرى اذا سمحت لي".
ابتسمت له كارن وتركته يمسك يدها وهما عائدان الى المائدة التي كان لويس يجلس اليها , نهض فجأة عندما اقتربا منه وبدا قزما الى جانب توني بقامته الطويلة العريضة, وصاح لويس في صوت غاضب:
" أين كنت طوال هذه المدة ؟ ومن هذا؟".
رد توني على الفور:
"اسمي ستوكر... أنتوني ستوكر, ومن تكون أنت؟".
كان يبدو أنه ضاق بأسلوب الرجل الآخر ونبرته, ولم تفهم كارن السبب في امتعاض وجه لويس فصاحت قائلة:
" أرجوك... هذا توني يا لويس... وهذا لويس مارتن رئيسي في العمل يا توني".
تصافح الرجلان على نحو غير ودي , وتمنت كارن لو أنها لم تأت مع توني , وأخذت تشرح قائلة:
" كان توني في القاعة يتحدث مع بول عندما ذهبت الى غرفة السيدات, وقدمنا بول أحدنا الى الآخر".
قال لويس وهو يقطب جبينه:
" تقصدين فريزر مرة أخرى!".
" طبعا".
فنظر لويس اليها قائلا:
" مفهوم... والآن ألا ترقصين معي يا كارن؟".
ضاقت بغيرته وحبه لأمتلاكها , ومرة أخرى قالت:
"طبعا".
لم تكن قد أعطته مبررا واحدا ليفترض أنهما أكثر من صديقين طيبين رغم كل أحاديثه عن الزواج , وكانت تكره أن تشعر بأنه يحاول أن يتملكها على هذا النحو , لم يكن له الحق في أية سيطرة عليها! لأنها أمرأة حرة غير مرتبطة بشخص ما.
ورقصا معا فترة في صمت, ثم قال بصوت متوتر:
" يتعين عليَ أن أعتذر لك... يبدو أنني تصرفت بطريقة غير لائقة".
وافقت كارن وقالت بحدة:
" نعم... ماذا بك؟ لقد غبت ربع ساعة فقط".
وشعرت بالسعادة أنه أثار الموضوع بصراحة, وتنهد لويس وقال في صوت حزين:
"أعرف... أعرف... كان واضحا تماما أنني أغار بجنون , أنك لا تقدرين هذا الشعور , شعور شخص يريد أنسانة من كل قلبه ويعرف أنها لا تريده".
احمر وجه كارن خجلا وقالت بسرعة:
" لويس ... أرجوك... لا داعي لهذا الحديث الآن ... لا داعي له مرة أخرى".
أحمر وجه لويس أيضا وتمتم قائلا:
" أعرف... كل ما أرجوه ألا تتباهي بمعرفة الشبان هكذا أمامي, أنني لا أستطيع أن أسيطر على مشاعري , النتيجة التي وصلت أليها أنك أمرأة باردة!".
كادت كارن تنفجر ضاحكة... أن مجرد الحديث مع بول يجعل الدم يتدفق في جسمها ولكن لويس يظن أنها باردة! وارتجفت...
أخيرا قالت:
" لعلك على حق".
فضلت أن تأخذ أيسر طريق للخروج من هذا الحديث .
ورد لويس ببطء وهو ينظر في وجهها متفرسا:
" أنا واثق من هذا... ولكنك ستحتاجين الى رجل مرة ثانية يا كارن, وسوف تجدينني اذا شئت ".
عبست كارن عندما سمعت هذا ولم ترد عليه , كان تصرف لويس غريبا هذه الليلة.

وعاداالى المائدة حيث كان توني في انتظارهما , وبدا سعيدا عندما رأى كارن فنهض واقفا بسرعة, وأمسك مقعدها لتجلس عليه, وفكرت: لقد كان رفيقا طيبا في الواقع وقد أنساها بول ولويس أيضا لفترة, فبدأت تعتبر لويس مشكلة الآن, أنها لا تريد أن تترك عملها معه بعد كل هذه المدة, ولكن اذا أصبح لويس لا يطاق , عندئذ لا بد أن نفعل شيئا , أنها لا تستطيع أن تسمح له باحتكارهاأ والسيطرة عليها وأفشاد حياتها.
أما لويس فلم يكن طبيعيا كعادته , وحاول أن يضمها بشدة الى صدره أثناء الرقص , كانت تشعر بالأختناق عندما تلفح أنفاسه عنقها, وبدا واضحا أنه يبذل كل ما يستطيع لكي يسيطر على عواطفه, وتصورت كارن أو وجود بول مسؤول الى حد ما عن هذا السلوك من ناحية لويس , لم يكن في يوم من الأيام بهذا المنظر , وبدأت تشعر بأنها لا تعرفه على حقيقته كم كانت تعتقد.
كان أيان فيلوز يعمل في قسم المبيعات ويؤدي عمله على أكبر وجه , وكان هو وبول صديقين منذ فترة طويلة جدا ولم يكن أختلاف مركزيهما يشكل أية عقبة في طريق صداقتهما.
وكانت زوجته مرغريت فيلوز في الثامنة والعشرين من عمرها, أي في نفس سن روث , وكانت هي وروث منسجمتين تماما رغم أن مرغريت رفضت أن تتحدث عن زوجة بول الأولى مع زوجته القادمة , فقد كانت تعرف كارن وتحبها وأثار هذا غضب روث التي كانت حريصة على معرفة كل شيء عن السيدة فريزر الأولى , لم تكن قد رأت صورة لكارن , فلم تجد أية صورة لها في شقة بول , ورغم أن هذا أسعدها الا أنها كانت تود أن تعرف شكل كارن, كانت تشعر وكأن لها عدوا غير مرئي.
وفي تلك الليلة كانت لهم مائدة قريبة من مكان الفرقة الموسيقية , وقد رقصوا جميعا كثيرا , ولم تكن روث حريصة على أن ترقص مع أيان ولكن عندماطلبها للرقص رأت أنه من غير المناسب أن ترفض كل مرة, ولكن مرغريت رقصت مع بول, وما يثير السخرية أن الغيرة تنهشها عندئذ.
كانت سعيدة بثوبها المزركش بالدانتيل فوق الساتان , كان يتناسب مع بشرتها البيضاء الوردية , كانت واثقة من أن بول معجب به, برغم أنه نادرا ما كان يعلق على ملابسها, وكان ثوب مرغريت من الكريب الرمادي , وكان موضة قديمة في نظر روث, كانت واثقة تماما من أنها أكثر جاذبية من مرغريت في نظر أيان أيضا , ولكن بول لم يظهر أية علامة على الغيرة ! وتضايقت روث , فقد كانت تتمنى أن تثير بول في هذه الناحية , ولكن بول كان يبدو باردا طوال الأيام القليلة السابقة , منذ أن تناول الغداء مع كارن , ولم تستطع معرفة السبب, لم تكن روث قد أعتادت على أن يرفض لها طلب, فقد دللها أبواها واستجابا لكل نزواتها.
جلست وأخذت تمر بأصابعها على ذراع بول وتتساءل ما الذي يمكن أن تقوله حتى تجذب أهتمامه! كان يبدو بعيدا عنها مسافة طويلة, في الفكر أن لم يكن في الواقع قبل ذلك كان هو وأيان يناقشان بعض تصميمات النسيج الجديد الذي يصنعانه, وشعرت بالملل من حديثهما, والواقع أنها لم تتلق أهتماما كبيرا في تلك الليلة.
وفجأة لاحظت أن حشدا من المدعوين يجتمه حول راقصين يرقصان وسط القاعة , كانت الفرقة الموسيقية تعزف لحنا راقصا وتصورت روث أن الراقصين يستعرضان رقصتهما , ولا شك أن مراقبتهما تثير الأهتمام والبهجة, فقالت وهي تمسك بذراع بول:
" تعال نذهب الى هناك لمشاهدتهما".
كان ايان وزوجته يرقصان , ولذلك نهض بول رغما عنه وسار معها الى الراقصين في وسط القاعة , لم يكن هناك من يرقص غيرهما. وكان الجميع يرقبونهما , وتوقف بول فجأة عن سيره , كان الراقصان اللذان يضحكان ويرقصان على ايقاع الموسيقى هما توني و... كارن!
وشعر بالدم يتدفق في عروقه وهو يراقبهما , وغضب من مشاعره التي فضحته , كان لا بد أن يسيطر على أعصابه!
صاحت روث قائلة:
" أنه توني ستوكر... أنهما رائعان... ومع ذلك أنا شخصيا لا أرضى بأن أستعرض نفسي هكذرا".
ولم يرد بول فنظرت اليه, كان وجهه قاتما متجهما , فعبست وسألته في ضيق:
" ماذا حدث ؟ ألم تكن تريد أن تأ تي؟".
أجاب بول ممتعضا:
" كلا".
"لماذا؟".
وهنا شعرت روث فجأة باحساس غامض, كان في وجه بول شيء , شيء معين جعلها تسأله بغتة بصيغة أتهام:
" أنت تعرف تلك الفتا... أليس كذلك؟ من هي؟".
حاول بول أن يتفادى الرد فسألها ببطء:
" وما الذي يجعلك تعتقدين هذا؟".
" أنني أشعر بأنك تعرفها ... هل تعمل في شركتك؟ أو شيء من هذا القبيل؟".
رد بهدوء:
" كانت تعمل في شركتي... أنها كارن يا روث".
كان وجه روث صورة للشك وعدم التصديق , فصاحت قائلة:
" كارن؟ لا تقصد هذه الكارن؟".
دس بول يديه في جيبي سرواله وقال:
"نعم هي... كنت أظنها في نفس سنك... أنك لم تخبرني أبدا يا بول أنها صغيرة".
أجاب ببرود :
" أنك لم تسألينني , أن كارن في الخامسة والعشرين من عمرها الآن, أصغر منك بثلاث سنوات كما أعتقد!"

وتوهج وجه روث غضبا , كم تمنت لو أنها لم تقترح الذهاب لمشاهدة الراقصين , لكن من أين لها أن تعرف أن الراقصة هي كارن؟ لم تكن تعرف أنها موجودة في الحفل . ومع ذلك لم يبد بول مندهشا. ترى هل كان يعرف أنها هنا؟ وتدفقت الأسئلة على ذهنها ولكنها تغلبت عليها وتجاهلتها , كان من الغباء أن تفكر على هذا النحو . لقد تزوجا ثم طلقا وانتهى الأمر ... أن أيا منهما لا يعني شيئا للآخر الآن, ومجرد أنهما يتحدثان أحدهما مع الآخر بطريقة عادية يثبت أن كلا منهما لم يعد يكن أيَة مشاعر نحو الآخر.
ومع ذلك شعرت روث بالغضب فجأة وهي تراقب كارن , كانت كارن أمرأة جميلة جدا وليست الأنسانة القبيحة التي تصورتها , جامدة الوجة التي تتباهى بلا خجل أمام الرجال , وتتصرف وكأنها أصغر من حقيقتها بسنوات كثيرة, وراحت تحسب في ذهنها فأدركت أن كارن كانت في الثامنة عشرة من عمرها فقط عندما تزوجت بول , معنى هذا أنها عاشت حياة زوجية مع بول في تلك السن, في حين أن روث كانت لا تزال طالبة في الكلية, تخرج مع الفتيان ولا شيء أكثر من هذا, معنى هذا أن بول عندما كان رجلا في الثلاثين وجدها فتاة يمكن أن تشبعه ذهنيا وجسديا في ذلك الوقت . بينما كانت روث معقودة اللسان لا تستطيع أن تتحدث مع رجل في سنه!
والآن فلا بد أن تتذكر هذه الفتاة في كل مرة يلمسها بول وتتساءل ... ترى هل لا يزال يحبه؟
وأثارت أفكارها فزعها , كانت الحياة قد بدت بسيطة هادئة قبل هذا الأسبوع مع اقتراب موعد الزفاف , وفكرة شهر العسل القادم تحتل أفكارها.
ولكن كل شيء تغير, وكل هذا بسبب الأخت الحمقاء لهذه الفتاة , هذه الفتاة الأخت التي تورطت في علاقة مع شقيق بول المتزوج, كان أمرا لا يطاق, وشعرت برغبة في أن تقف وتصرخ وتبكي لتحصل على كل ما تريد كما كانت تفعل في السنوات السابقة... شعرت بأنها تريد أن تخبط الأرض بقدميها واذا أمكن تطأ بهما هذه المرأة التي عادت الى حياة بول سواء شعر هو بذلك أو لم يشعر, ولكن كان عليها أن تتصرف بطريقة طبيعية , لقد حدث ما حدث في الماضي وأصبح بول ملكها الآن , واذا أظهرت أنها خائفة من سلطة هذه المرأة فلا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يحدث! كلا... يجب أن تتصرف كالمعتاد وتظل الخطيبة المحبة المتفهمة , أما بعد الزواج فيمكن أن يختلف الأمر.

وتمتمت بنعومة وهي تدس يدها في ذراع بول:
" هيا بنا يا حبيبي ... لنعد الى الفندق يا بول".
كان بول على استعداد لتنفيذ رغبتها , ولا يريد صحبة أحد... وكا ن يفضل أن يترك وحده مع عواطفه التي تعتمل في داخله ... وقال في عدم أكتراث واضح:
" وهو كذلك ... اذا كانت هذه رغبتك.... ظننت أنك تستمتعين بالحفل".
أجابت بسرعة:
" كنت ... أقصد... أنني أشعر بصداع الآن... وأريد أن أهدأ وأسترخي في جناحي في الفندق ... هذا كل ما في الأمر ".
أومأ بول موافقا ... وأبتعد عن الحشد الذي تجمع حول كارن وتوني , ثم قال:
" يجب أن نخبر أين ومارغريت بأننا سننصرف".
كان جناح روث في فندق دورشستر غاية في الأبهة والفخامة, وكان يكلف أباها مبلغا طائلا كل يوم, ولكن هيرام ديلاني كان يعد ورق البسكوت الذي يملك بالآلاف وليس بالعشرات, ولذلك كانت نفقات أقامة ابنته في فندق أنيق في لندن ليست أكثر من وخزة دبوس في حسابه.
كانت غرفة الأستقبال الملحقة بالجناح خالية, فقد كانت روث قد أعطت لوصيفتها الخاصة يوما أجازة , وألقت روث بنفسها باهمال على أريكة منخفضة, وفك بول أزرار معطفه القاتم ذي الياقة المصنوعة من الفراء , وأخذ يجول في أنحاء الغرفة وكأنه نمر في قفص... كان يتساءل!
ترى متى يستطيع أن ينصرف!
مدت روث يدها اليه وقالت في كسل:
" تعال أجلس يا حبيبي... لن تنصرف الآن بالطبع!".
عضَ بول شفته وأجاب ببطء:
" ظننت أنك مصابة بصداع, ولكن يبدو أنك استعدت صحتك بسرعة مذهلة".
وتوهج وجه روث وأجابت وهي تدافع عن نفسها :
" لقد أفاقني الهواء الطلق".
قال بول بحسم:
" ومع ذلك فأن الوقت متأخر, ومن الأفضل أن أنصرف... أذهبي الى فراشك واستريحي , وسوف أراك في الصباح".
وأنحنى وقبل خدها, ولكنها لفت ذراعيها حول عنقه وشدته ليجلس بجوارها , وهمست قائلة:
" لا تبتعد عني!".
كانت واثقة من أنها تستطيع أن تخرجه من أكتئابه , ولكنها شعرت بأن بول يقاومها, وبعد لحظة أضطرت أن تتركه ينهض واقفا... وشعرت بالحرج وعدم الأرتياح , بل شعرت بأنه جرح كرامتها ولكنها سيطرت على شعورها , وقالت:
" هل سنتناول الغداء معا دا؟".
هز بول كتفيه قائلا:
" أتصلب بي تلفونيا في الصباح... سأحاول يا حبيبتي".
قالت:
" شكرا".
وبدت السخرية في صوتها فتركها بابتسامة باهتة.
وبعد انصرافه نهضت روث من فوق الأريكة , لم تكن تشعر بصداع أطلاقا , وقد فشلت خططها في أن تسترد بول لنفسها وفكَت سحاب الثوب بأصابعها بدون أهتمام , وأمسكت بالثوب في قبضتها ومزقته من العنق حتى الخصر! وبغضب ألقت به على الأرض. وعندما فتحت باب غرفة النوم وجدت يديها ترتجفان , وسالت الدموع من عينيها , ها هي ذي... واحدة من أغنى النساء الشابات في لندن , ومع ذلك تأوي الى فراشها بعد منتصف الليل بقليل , وهي في أشد وأسوأ حالات الغضب! منتديات ليلاس
ترك بول الفندق وجلس في سيارته ... وقبل أن يدير المحرك أشعل سيكارة , ثم قاد سيارته الفارهة بسرعة , كانت شقته في بلغرافيا ولكنه لم يكن يرغب في النوم الآن... واتجه الى شارع خلفي, كانت ليلة حالكة الظلام, ولكنه استطاع أن يشق طريقه بدون أن يرى شيئا وهو يفكر مرهقا.
وعلى مشارف ريتشموند دخل في طريق خاص واتجه نحو جدار عال فيه بوابتان من الحديد المصبوب حفر عليها اسم تريفاين, كان ذلك هو المنزل الذي اشتراه عند زواجه من كارن , لم يكن قد باعه, وانعطف نحو المدخل بين الأشجار الباسقة متجها الى الفناء الأمامي أمام اللالم المنخفضة التي تؤدي الى الأأبواب المزدوجة البيضاء , كان جمال المكان الأنيق لا يمكن أن يرى في تلك الليلة المظلمة , ولكن بول كان قد جدَد الكثير من أثاثه في الداخل, ولكن روحه ظلت تحمل جو السنوات الماضية!
وأضاءت الأنوار الأمامية لسيارة بول المكان قبل أن يوقف المحرك ويطفئها, وانسل من خلف عجلة القيادة وصفق الباب وراءه , ودوى الصوت في سكون الليل , ووضع بول يديه في جيبه وسار .
كانت روث لا تعرف شيئا عن منزل تريفاين فلم يكن قد أخبر أحدا, ولا حتى أمه , بأنه لا يزال يملك البيت, وكان مستعدا لأن يتركهم يتصورون أنه باعه, كان قد فصل كل طاقم الخدم, ولكن عندما طلَق كارن ظلت مدبرة البيت وزوجها كما هما في المبنى الخالي ينظمان كل شيء استعدادا لزيارته في أية لحظة يشاء, ولم يذهب الى هناك منذ أن خطب روث, فلم يكن قد شعر بحاجة الى الذهاب حتى الآن.
وقبل أن يصل الى الأبواب الأمامية أضيء نور الأرسال فوق الباب, وبعد لحظة فتح السيد بنسون بنفسه الباب , وتدفق الضوء في المدخل وغمر بول بنوره, كان بنسون يرتدي الروب فابتسم مرحبا عندما رأى سيده وصاح:
" أهلا بك يا سيد بول, أنها مفاجأة سارة , أننا لم نرك منذ ثلاثة أشهر!".
وعبر بول الشرفة ودخل القاعة الفسيحة , وقال لخادمه:
" آسف يا بنسون اذا كنت أزعجتك. أعرف أن الوقت متأخر جدا".
أجاب بنسون متفهما:
" لا يهم يا سيدي".
زفكر بول... لا يمكن أن يكون بنسون عنده أية فكرة عن السبب الذي جعله يأتي الى هنا في هذا الوقت المتأخر!
أغلق بنسون الأبواب ثم قفلها بالقفل وقال:
" هل ستقضي الليلة هنا يا سيدي؟".
أومأ بول قائلا وهو يخلع معطفه :
" نعم يا بنسون , أنني أتوقع أن يكون سريري جاهزا كالمعتاد".
قال بنسون:
" أنه جاهز يا سيدي, الحقيقة أن ماغي قالت اليوم أنها تتوقع حضورك قريبا , وهي تعد البيت دائما يا سيدي لحضورك".
ابتسم بول وهو يعبر القاعة:
" هل أوت الى فراشها؟".
" نعم يا سيدي . هل تريد شيئا؟ هل تحتاج الى طعام؟".
هز بول رأسه وفتح باب غرفة المكتب وقال:
" لا أريد شيئا ما دام يوجد الكثير من الشراب".
رد بنسون في الحال:
"لقد وضعت زجاجة جديدة هناك اليوم. هل أنت متأكد أنك لا تحتاج الى شيء آخر يا سيدي؟".
أجاب بول:
" متأكد... تصبح على خير يا بنسون... سأراك في الصباح".
كانت الغرفة مكدسة بالكتب المرتبة بدقة , وبالأضافة اليها كان هناك بيانو صغير في أحد الأركان , كان هو وكارن يستعملان الغرفة كغرفة للموسيقى , وقد قضيا أمسيات سعيدة كثيرة وحدهما هنا... كان بول يتقن العزف على البيانو , وكان يعزف ألحان كارن المفضلة من مؤلفات شوبان وغريج.
واتجه الى صينية الشراب الموضوعة قريبا من البيانو فوق مائدة منخفضة وصب لنفسه كأسا من الشراب رشفه بسرعة, وأعقبها بكأس أخرى ثم جلس أمام البيانو وراح ينقل أصابعه بين مفاتيحه ويعزف لحن (في ضوء القمر) كان لحنا حزينا , وعندما نظر ناحية المقعد الوثير العميق الموضوع بجانب المدفأة تصور أن كارن جالسة هناك تراقبه.
وأنطلقت منه أنَة , وصفق غطاء البيانو ثم وقف وفك ياقة قميصه , وراح يجول في الغرفة على غير هدى ... يا ألهي... ماذا دهاه الآن؟
هل كان رجلا أم فأرا؟ ولعن سيمون لأنه كان السبب في أزمته هذه, لو أنه لم ير كارن أطلاقا لما ثارت مشاعره على هذا النحو . وكان من المحتمل ألا يراها ثانية أبدا... كان كل منهما يعيش في دائرة أجتماعية مختلفة , لقد أنضمت كارن الى مجاله أثناء الزواج , ولكنها كانت عادت الى فلكها الخاص بعد الطلاق... كان معظم الأشخاص الذين يختلك بهم من الأثرياء جدا وأصحاب النفوذ , مثل رجال البنوك والمال والأعمال , الذين لا يهتمون الا بجمع مزيد من المال ولكنه رأى كارن الآن, وأدرك أنها لا تزال تجذبه وتثير أهتمامه ... أنه لن يخدع نفسه, كارن تجذبه دائما على هذا النحو... كان قد نسي كم هي جميلة , حتى رآها ثانية‍
تصور في أحد الأيام أنها ستتزوج لويس , ولم يكن يهتم بوجود علاقة بينها وبين أي رجل , ولكنها ما زالت حرة غير مرتبطة , وعندما رآها الليلة ترقص مع توني أصيب بصدمة! كان واضحا أنها سلبت لب توني , ومن يدري , فمن المحتمل أن تكون معه حتى الآن , ولعله سيصحبها الى شقته أو شقتها , هل ستسمح له بأن يعانقها؟
شعر بول بطعنة سكين في معدته.... أن الغيرة العمياء شيء يثير السخرية , ولكنه كان يشعر بالغيرة! وتمنى لو أنه ذهب الى شقتها ليستكشف الأمر بنفسه , ولكن كبرياءه منعه من ذلك. ماذا سيقول لها لو ذهب؟ هل يقول أنه يريد أن يطمئن بنفسه ؟ ومد يده الى زجاجة الشراب وملأ كأسه , وألقى بنفسه على المقعد وهو لا يزال يمسك بالزجاجة في يده, ستكون ليلة طويلة جدا!






http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:52 AM
4_أفكار ليست للعرض!http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg
رأت كارن بول ينصرف مع روث, ورأتهما يتحدثان مع فليوز وزوجته قبل أنصرافهما , ولما لم يظهرا ثانية حول مائدتهما أفترضت أنهما أنصرفا , وشعرت بعد أنصراف بول بأن المساء فقد سحره, لماذا؟ ولم تستطع معرفة السبب فلم يرقص معها, كما أن الحديث بينهما كان مشوبا بالتوتر لعلها كانت هي السبب في ذلك, ولعلها وجدت متعة في مضايقته وأزعاجه.
كان العذر الوحيد لرحيلهما المبكر في نظرها هو أنهما أرادا أن يكونا بمفردهما! وأفزعتها الفكرة بما أثارته فيها من مشاعر مؤلمة , كانت لهما الحرية بالطبع في أن يفعلا ما يريدان , فهما سيتزوجان قريبا ويصبحان معا طوال الوقت, ولعلهما قضيا ساعات وساعات معا وحدهما! كان لا بد أن تعرف , وتعترف بأنها لا تسيطر على بول بأي حال.
أقترحت أن تعود الى بيتها بعد أن أصبح واضحا أن بول وروث قد أنصرفا , وأبدى لويس استعداده لمرافقتها , فودعت توني وأخذت معطفها واستقلت مع لويس سيارة تاكسي لأنه لم يحضر سيارته , وتمنت كارن ألا يدخل معها الشقة , فلم تكن مستعدة لأي مزيد من النقاش , ولكنه دخل وطلب مشروبا , وسألها:
" هل أنت بخير يا كارن؟".
ردت بدهشة:
" هل أنا بخير؟ بالطبع... لماذا؟".
أجاب بطريقة بليدة:
" حسنا... يبدو أنني أفسدت سهرتك . لعل ستوكر أعتبرني شخصا أحمق".
ألقت كارن بمعطفها فوق الأريكة , وصبَت كأسين ناولت أحدهما للويس قبل أن تجيب قائلة:
" أنت لم تكن بهجة الحفل بالطبع ... ولكنك لم تفسد سهرتي حقا فلا تنزعج".
" الحمدلله على ذلك... ولكنك تبدين ساهمة".
" قد أكون ضائعة الأفكار".
ونظرت الى كتفي لويس النحيلتين وجسمه الهزيل ... بعد أن رأت بول بدا لها لويس أقل من رجل! وفكرت:
أن لويس لا يستطيع أن يحمي أمرأة بقوة اذا لزم الأمر ... بالطبع في حياة لويس الخالية من الأحداث , لن تحتاج الأمر الى ذلك... ومع هذا فجميل أن تشعر المرأة بالحماية عندما تكون في صحبة رجل.
قال لويس وهو يعبس:
" أفكار؟ ما هي هذه الأفكار؟ ما الذي يشغل ذهنك؟".
قالت كارن وهي تشرب كأسها:
" أنها ليست للعرض".
" وهل ستقابلين ستوكر ثانية؟".
هزت كارن رأسها قائلة:
" لويس... أرجوك ... لا أريد جدلا ... لن أرى ستوكر ثانية ... هل يرضيك هذا؟".
وبعد أن فرغ لويس من كأسه أردفت قائلة:
" أنني مرهقة".
فعندئذ نهض وحياها وأنصرف.
ترك لويس وراءه جوا مفعما بالضيق ... كانت تعرف تماما أنه يتمنى أن يلاطفها أو يلمسها , وكانت تتمنى ألا يفعل, والواقع أنه لم يفعل, ومع ذلك ظلت تشعر بالضيق وكأنها على وشك أن تسقط في دوامة.
كان موقفه منها أشبه بنوع من الوشم , لقد أدركت من اللحظة الأولى أنه يحيها, ولكنها لم تشجعه على الأطلاق, ولعله أقنع نفسه بأنها قد تبادله الحب على مر السنين .... ألا أنها أيقنت الآن أن هذا مستحيل , لم يكن لويس بالرجل الذي تختاره زوجا حتى بدون سيطرة بول على كيانها ... كان رجلا يحب التملك ... عنيدا وأكبر منها بكثير.
أغلقت الباب خلفه وتنهدت بارتياح وهي تلقي بنفسها على الأريكة , وترتجف رغما عنها ... كانت سعيدة اشيء واحد وهو أنها رأت خطيبة بول الليلة , ومعنى هذا أنها عرفت خصمها ! أنها أمرأة جذابة جدا ... وكان يجب أن تعترف كارن بهذا... وما لبثت أن نهضت من مكانها في قلق واتجهت الى المرآة الطويلة في غرفة نومها , وراحت تتفرس في صورتها , اذا كانت روث هي فكرة الكمال في نظر بول فلا عجب أذن أنه طلق كارن. أنهما مختلفتان تماما, كان جسم روث متناسقا برقة بينما كانت كارن طويلة مكتملة الجسم ... وروث أشبه بزهرة السوسن الرقيقة , في حين أن كارن شبهت نفسها بوردة متفتحة , ترى أيتهما تصمد وتحتمل أختبار الزمن ؟ تمنت كارن أن تكون هي الصامدة ! فأن لها بنيانا قويا على الأقل.
ولكن لعل روث جعلت بول يشعر بأنه قوي ويستطيع أن يحميها , وبذلك أرضت رجولته, كانت كارن تثبت دائما أنها شخصية مستقلة , وتساءلت عما اذا كان بول يريد زوجة أكثر خنوعا , زوجة يستطيع أن يخضعها لأرادته.
وعندما تذكرت حياتهما الزوجية شعرت بغصة, كان يمكن أن يدوم زواجهما لو أن بول لم يكن حريصا على جمع المال, وتحسين شركته التي كانت قوية بالفعل , أين هي تلك المرأة التي تريد أن تقضي الأيام والليالي وحدها؟ بينما يكون زوجها مشغولا بزوجته الأخرى ... بعمله... بشركته؟ ورغم كل ذلك شعرت بأنها مستعدة أن تعود اليه الآن لو طلب ذلك.
ومر أسبوع ببطء, دفنت كارن نفسها في عملها , فهذه هي الطريقة التي تزيح بها الواقع من ذهنها , وكانت تتمنى ألا يؤثر ضيقها على عملها, واتصل بها توني ستوكر تلفونيا وشكرها على قضاء تلك الأمسية الجميلة, وتأثرت كارن من لطفه خاصة بعد أن عامله لويس بطريقة غير ودية , وأرسل لها لويس باقة من زهور الربيع مع كلمة أعتذار عما بدر منه ليلة الحفل الراقص وشعرت كارن بارتياح , وبعد مرور حوالي عشرة أيام على الحفل الراقص أنجزت كارن كل العمل المطلوب منها , وقررت الذهاب الى المكتب في صباح اليوم التالي لترى لويس, فأخرجت سيارتها القديمة من الكاراج لتقوم بنزهة , واتجهت نحو غيلدفورد , كان الطريق يثير الذكريات , فقد سلكت هذا الطريق مرات كثيرة مع بول , وشعرت كأنها سجينة تهرب لفترة , بل شعرت بالذنب من تركها لندن وراءها, وكانت جوانب الطرق والحدائق المتناثرة مفعمة بألوان الزهور المختلفة , وشعرت بغيظة لم تشعر بها منذ فترة طويلة.
ووصلت الى غيلد فورد , وهناك دخلت مقهى حيث شربت القهوة, ودخنت سيكارة , وراحت تتفرس في وجوه الشبان الذين جلسوا حول الطائرة المجاورة , ولاحظت أنهم أطالوا شعورهم, وعندما بدأوا بدورهم يتفرسون في وجهها قررت أن تنصرف , فعادت الى سيارتها وقادتها ببطء الى لندن, ولكنها سلكت الطرق الخلفية , ووجدت نفسها في الطريق المتفرع من الطريق المؤدي الى تريفاين وخفق قلبها بشدة , ترى هل قادها عقلها الباطن الى هذا الشارع عن عمد؟
ووصلت الى المنعطف وأبطأت القيادة, كانت الشوارع هادئة, وفجأة وجدت نفسها تدخل الطريق الخاص, وترددت لحظة فقط قبل أن تتجه الى أعلى التل, نحو البوابات المصنوعة من الحديد المصبوب , وأوقفت السيارة وجلست تتطلع الى الطريق , بدا المنزل كما كان تماما عندما غادرته , الدخان يتصاعد في حلقات من المدخنة , والواجهة البيضاء رائعة بلا شائبة كما كانت تماما , وتنهدت وانسلت من السيارة , وتساءلت: ترى من الذي يقيم هنا الآن؟ وهل لديهم أطفال؟ وهل هم أسرة سعيدة؟ وتمنت ذلك... كانت تتألم دائما كلما فكرت في تريفاين.
وسيطر الفضول على مشاعرها , فعبرت المدخل , ونظرت الى الطريق المؤدي الى المنزل , شعرت كأنها متآمرة وهي تتفرس في واجهة المبنى مليا , وفجأة لمحت السيارة البيضاء تقف في ناحية الفناء الأمامي , كانت مثل سيارة بول التي أوصلها بها الى بيتها يوم أن قابلته لتتحدث معه في موضوع ساندرا , وقطبت جبينها وأخرجت علبة سكائرها وأشعلت سيكارة , بالطبع لا يمكن أن تكون سيارة بول , فما الذي يأتي به الى هنا؟ الا اذا كانت الأسرة التي اشترت المنزل أسرة صديقة له! من يدري لعله في زيارة للأسرة مع روث.
ورأت أن أسلم هو أن تعود بسرعة قبل أن يضبطوها تتسلل الى المنزل , واستدارت فجأة وفي تلك اللحظة أشتبك كعب حذائها بقطعة من العشب , وبدون أي أنذار التوى رسغ قدمها على نحو مؤلم واختل توازنها وسقطت على الأرض المغطاة بالحصى , واختنقت بالبكاء , وهي تمسك برسغها بقوة وتأمل أن يزول الألم , وسالت الدموع من عينيها وعندما زال الألم قليلا جلست على الأرض , وأخذت تدلك رسغها بقوة ورفعت قدمها في وضعها الطبيعي , ولكن الرسغ كان يؤلمها بشدة حتى لم تستطع أن تتحمل لمسة أصابعها عليه.
كان منظرها يثير الضحك وهي تجلس على الأرض , وابتهلت أن يزول الألم ولو قليلا حتى تستطيع العودة الى سيارتها والى بيتها , كان رسغ قدمها اليمنى هو الذي أصيب بألتواء وبدأ يتورم ويحيطه أحمرار شوه الجلد.
وراحت تؤنب نفسها ذهنيا على أهمالها وحضورها الى هنا بسبب الفضول, وشعرت بالحرج أمام أي شخص يمتلك المنزل , اذا خرج أحد فكم ستبدو في عينيه غبية حمقاء ! أما اذا كانت روث هناك فلتساعدها السماء في هذه الحالة! ستضحك منها ملء شدقيها , أما اذا كان السكان غرباء , فسيريدون بالطبع أن يعرفوا من هي ولماذا قدمت الى هذا المكان.
ومما زاد الطين بلة أن الباب الأمامي للمنزل فتح فجأة , وارتجفت كارن قليلا ولم تنتظر لترى من الذي فتحه فأمسكت بعمود البوابة وعبثا حاولت الوقوف على قدميها , كانت ساقاها تهتزان وقدمها تؤلمها بشدة, لدرجة أنها فقدت توازنها , وسقطت على الحصى مرة أخرى, وخدشت الأحجار الحادة أصابعها , وترامى ألى أذنيها صوت رجل... يقول:
" وهو كذلك يا بنسون , سوف أخبرك الأسبوع القادم".
أنه صوت بول , وأنقطع فجأة وكأنه لمحها لتوه , ولم تجرؤ على أن ترفع نظرها بل أغلقت عينيهافي ضيق, ترى هل يعتقد أنها كانت تطارده أو شيئا من هذا القبيل ! وسمعت وقع أقدام تقترب منها , ثم شعرت بيدين تضغطان على كتفيها وتساعدانها على النهوض وتمسكها بشدة , واستدارت لتواجهه , وسمعت لهاث أنفاسه الحادة وهو يديرها لتواجهه ثم يهتف ناظرا اليها:
" كارن ... ما الذي تفعلينه هنا بحق السماء؟".
كان وجه كارن شاحبا ولكنها استطاعت أن تقول بمرح:
" أجلس القرفصاء يا حبيبي ... ألست أبدو حمقاء؟".
ظل بول ممسكا بها لحظة , وهي سعيدة... كانت تخشى أن يتركها فتنهار وتسقط على الأرض , وعندئذ سيرى قدمها حتما .
وقطب بول جبينه , كان واضحا أنه حائر , وقررت كارن أن تبذل محاولة من جانبها , فقالت والدم يصعد الى وجنتيها:
" لا بد أن أعتذر ... لقد توقفت لألقي نظرة على المنزل فانزلقت قدمي , سأنصرف الآن".
واستدارت على قدمها السليمة , وحاولت أن تصل الى سيارتها وهي تعرج على قدم واحدة , ولكن قدمها لم تتحمل ثقل جسمها فسقطت تحت قدميه على نحو مهين ! وصاح وهو يركع على ركبتيه بجانبها :
" كارن! هل أنت مريضة؟ يا ألهي.... أنظري الى رسغك!".
وشعرت بأنها حمقاء وضعيفة فقالت:
" أنه لا شيء".
وتجاهل أعتراضها فدسَ يديه تحتها وحملها بسهولة بين ذراعيه وتلاقت عيونهما لحظة , وخفق قلبها بجنون , شعرت بسعادة تغمرها وهي قريبة منه هكذا , واستدار نحو المنزل , وصعد الدرج وهو يحملها , ثم دخل المنزل , ومر أمام بنسون الذي بدا عليه الفزع وراح يتساءل عما حدث, وعندما وقع نظره عليها صاح متعجبا:
" أنها السيدة فريزر!".
حاولت كارن أن تبتسم وكأنها في حلم , وكأن كل ما حولها لا يمت بصلة الى الواقع , قالت:
" هالو بنسون .... أنني سعيدة أن أراك ثانية, كيف حال زوجتك ماغي؟".
" أنها على ما يرام يا سيدتي!".
قال بنسون هذا وهو لا يزال مذهولا من تطور الأحداث , ثم سأل بول:
" هل تريد شيئا يا سيدي؟".
أجاب بول بسرعة وهو يتوقف لحظة:
" نعم, أطلب من ماغي أن تحضر بعض الماء البارد ورباطا ضاغطا , أظن أن السيدة... أقصد الآنسة ستاسي لوت رسغها".
" أمرك يا سيدي".
قال بنسون ذلك وهرع الى القاعة , ثم الى المطبخ بعد أن أغلق الأبواب الأمامية.
وحمل بول كارن الى غرفة الجلوس , ووضعها على الأريكة , فنظرت حولها في دهشة , وتذكرت هذه الغرفة جيدا , كانت هي التي أقترحت عمل ذلك الديكور الأزرق والرمادي , ليضفي على الغرفة جوا مريحا , والجدران ما زالت مطلية بلون أزرق باهت , وقد علقت عليها لوحتان فقط أضافتا بهجة , وفوق الحائط الثالث علقت مرآة مقوسة كبيرة كادت تغطيها كلها , وفي الحائط الرابع نوافذ واسعة تطل على رواق مبلط.
ومن مكانها فوق الأريكة أستطاعت كارن أن ترى من خلال النوافذ الواسعة , العشب الممتد الذي يؤدي الى حمام السباحة وماعب التنس وراءه , وتنهدت ونظرت الى رسغها المتورم وشعرت بالدهشة , كان المنزل كما تركته تماما , ألم يقل لها بول أنه ينوي شراء منزل لروث في ساكس ويلد؟ ما لبثت أن نظرت اليه , كان واقفا وظهره ناحية المدفأة وقالت:
" آسفة اذ كنت قد أزعجتك".
أجاب:
" لا عليك, هل تريدين سيكارة؟".
كانت عيناه عميقتين لا قاع لهما , شكرته , وأخذت سيكارة ووضع بول سيكارة أخرى بين شفتيه ثم أشعلهم بالقداحة , وأعادها الى جيبه واعتدل بقامته, فسألته كارن وهي لا تستطيع السيطرة على نفسها :
" أخبرني , ألا تزال تملك هذا المنزل؟".
نفث بول دخان سيكارته ببطء من بين شفتيه , والتفت اليها وحملق فيها بحزن قائلا:
" نعم".
هزت كارن كتفيها ثم صاحت:
"ولكنك أخبرتني أنك ستشتري منزلا في ساسكس , هل غيرت رأيك؟".
رد بول بغموض:
" كلا".
ولم تفهم كارن موقفه فعادت تسأله في حيرة:
" أذن لماذا تحتاج الى هذا المنزل؟".

أجاب ببرود:
" لست أحتاج أليه ... أنني ببساطة لا أريد أن أبيعه , لا داعي لأن تشغلي نفسك بهذا الموضوع , المنزل يروق لي, وكان دائما يروق لي".
تمتمت قائلة:
"أوه...".
قضت كلماته على أية فكرة كان يمكن أن تخطر على بالها , وفجأة شعرت بألم شديد في رسغها , وكادت تطلق صيحة , ولكنها كتمتها , وعبس بول عندما رأى وجهها , وسار مسرعا نحو الباب , وقال بنفاذ صبر:
" أسرعي يا ماغي".
وصاحت كارن:
" لعلها تعد الأشياء بأسرع ما تستطيع".
فقال بحنق:
" أنها ليست سريعة بشكل كاف".
وما كاد ينتهي من كلامه حتى وصلت السيدة بنسون مسرعة ومعها ضمادات ووعاء فيه ماء بارد .
وصاحت قائلة وهي تدخل غرفة الجلوس:
"أين هي السيدة فريزر؟".
قالت كارن وهي تبتسم:
" أنا هنا يا ماغي... أنني سعيدة برؤيتك ثانية".
قالت ماغي بدون لباقة:
" يجب أن تحضري الى هنا كثيرا ... يسرنا أن نعرف أخبارك".
واقترب بول من الأريكة , وقال لماغي قبل أن تركع على ركبتيها وتضمد رسغ كارن:
" سأتولى هذا بنفسي يا ماغي... هل تستطيعين أعداد بعض الشاي؟".
" بكل سرور ... لن يستغرق هذا دقيقة , لن أتأخر يا سيدي".
أومأ بول, وانصرفت السيدة بنسون , وأغلقت الباب خلفها... وألقى بول بسيكارته في المدفأة الفارغة ورفع بنطلونه وركع بجانب الأريكة , رفع طرف ساق بنطلونها وراح يفحص الأحمرار على جلدها ... وتحسس الرسغ بأصابعه وقال بهدوء:
" ليس هناك أي كسر في العظام".
قالت كارن :
" حسنا".
" شعرت براحة وهو يلمس رسغها برقة... كانت سعيدة لأنها قريبة منه, فأنه يلمسها , أما ألم الرسغ فكان يأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية , وضمد رسغها بعناية بعد أن بلل الضمادة ثم ربطها بدبوس, وانتظرت كارن أن يرفع يده من فوق قدمها . وتمنت أن تحافظ على هدوئها , ولكنه بدلا من ذلك ضم قدمها بحنان غريب , والتقت عيونهما ثم شفاههما , ونسيت كارن كل شيء الا بول بجانبها ... ثم أنتبها على صوت السيدة بنسون تحضر الشاي ,,, واعتدلت كارن في جلستها وقد احمر وجهها , وحاولت أن تسوي شعرها وهي تتساءل ... ترى فيم ستفكر السيدة بنسون وهي تضع الشاي على مائدة قريبة من الأريكة ؟ لا بد أنها لاحظت اضطرابها ولكن الخادمة المطيعة قالت:
" هل تصبين الشاي يا سيدتي؟".
أجابت كارن بسرعة:
"نعم... أشكرك... أنه يبدو لذيذا جدا".
قالت ذلك وهي تنظر الى الصينية حيث وضع أبريق الشاي وأبريق من الحليب وفناجين وأطباق وصحن مملوء بالكعك الطازج. وقالت السيدة بنسون:
" حسنا جدا يا سيدتي... يوجد شاي آخر اذا أردت".
وانصرفت بدون أن تنظر الى بول الذي كان يملأ لنفسه كأسا. وصبت كارن الشاي وهي تشعر بالدهشة والخجل والضيق لأنها أستجابت لبول , وحاولت أن تبدو طبيعية فقالت:
" هل تريد شايا؟".
استدار بول والكأس في يده وأجاب في صوت خفيض:
" لا ... شكرا".

هزت كارن كتفيها وأخذت تحتسي الشاي , وفرغت من فنجانها ووضعته على الصينية , وأشعل بول سيكارة ثم قال بصوت بدا فيه الضيق:
" آسف يا كارن... لا بد أن أعتذر , أخشى أنني أظهرت حماقة".
توهجت وجنتا كارن وقالت:
" لا تزعج نفسك, كان رد فعل لمجموعة من الظروف".
أجاب على نحو بليد:
" يسرني أنك تعترفين بذلك , خشيت أن تتصوري لحظة...".
قاطعته كارن قائلة:
" أعرف يا بول... لا تخشى شيئا , أنني أعرف شعورك".
ضاقت عيناه وبدا عليه الغضب وقال وهو لا يصدق:
" عليك اللعنة! أشك في أنك تعرفين الوضع يا كارن ... لا أريد أن تتصوري أنني لا أزال أحبك حقيقة, وأنني أدفن آلامي فقط مع روث...".
اتسعت عينا كارن... ما الذي جعله يقول هذا؟ وصاحت مؤنَبة :
"بول!".
عض بول شفته غاضبا وقال:
" لا تتظاهري بالبراءة معي. فلست بريئة , لقد كنت دائما تعتقدين أنك تستطيعين أن تفعلي ما تشائين وتعاملي الناس كما تريدين, ولكن الوضع ليس كذلك معي, يجب أن تعرفي حقيقة أكيدة, وهي أنني أتزوج روث لأنني أريد أن أتزوجها , وليس لأنني أريد أن أنساك , هل فهمت؟ أنك جميلة فقط في نظري , وكنت أعرف أنك جميلة , هذا كل ما في الأمر!".
وفجأة شعرت كارن بالغضب الشديد, كيف يجرؤ أن يحدثها بهذه الطريقة؟".
شعرت بأن قامتها قد نقصت حتى أصبحت ست بوصات فقط, ونه يتنازل ويتحدث اليها , لم يكن حتى قريبا من الحقيقة , صحيح أنها تتمنى أحيانا لو أنه لا يزال يحبها , ولكنها تأكدت في هذه اللحظة أنها تصورت أشياء لا وجود لها , وشعرت بألم في رسغها , وتمنت لو تستطيع أن تنهض فورا, وتخرج من المنزل وتبتعد عنه وعن تعليقاته الكريهة, ولكنها لم تستطع , كانت مربوطة بالأريكة ومضطرة الى أن تحتمل أي شيء يحدث, وأحنت رأسها وتعمدت أن تنظر الى أصابع يديها حتى تتجنب النظر اليه, كان الشيء اللطيف الوحيد الذي قاله أنها جميلة ولا تزال تأسره , وقررت أن تهينه , كما أهانها فقالت بحدة:
" وهل تعرف خطيبتك العزيزة أنك تعتبرني جميلة وجذابة , أقصد هل ناقشت معها هذا الموضوع وأنتما تتناولان الغداء مثلا؟".
وشعرت بسعادة شريرة عندما لمحت الغضب على وجهه , وابتعد عنها, لا شك أنها اختارت الرد الصحيح على تعليقاته , وأحست كارن أنها في وضع أحسن الآن رغم أنها كانت تتصرف بالتحكم عن بعد! ورد عليها بغضب:
" لا تكوني فظة!".
ضحكت كارن ثم صاحت:
" أين روح دعابتك يا حبيبي؟ أعرف بالطبع أنك لا تستطيع مناقشة روث في موضوع كهذا , أن روث لا يمكن أن تفهم أهتمامك بي باعتباري أمرأة جميلة, لو كنت مكانها لما فهمت ذلك الوضع! من يدري لعلها تعتقد أنك لا تزال تتوق الى الأيام الخوالي!".
امتعض وجهه وقال:
" لقد قتلت ما كنت أكنه نحوك من جب منذ عامين, في قاعة المحكمة أم هل نسيت؟ هل يكفيك هذا؟ أنت تريدين الصراحة وها أنذا أقول لك كل شيء بصراحة".
زمت شفتيها وقالت:
" لقد طلقتني , هل تتذكر؟".
أطلق أنَة وقال:
"هل أتذكر؟".
وحك سيكارته في منفضة نحاسية , وأخذ يجول في الغرفة , ثم استدار نحوها بعد لحظة وقال:
" هل تعتقدين بكل أمانة أنني قد أفكر في أن أستردك بعد أن كنت صديقة مارتن؟".
شعرت كارن بوجهها يحترق ... ورفعت يديها وغطت خديها, يا ألهي... ما الذي ظنه بها؟ وصرخت غاضبة وهي تقول:
" لم أكن في يوم من الأيام صديقة مارتن! لا في ذلك الحين ولا الآن , هذه قصة أختلقتها لتطلقني , ولعلك كنت تريد أن تكون حرا, وقد برهنت على صدق قصتك بزيارات لويس المتكررة لشقتي".
رد بول ببرود:
"شيء جميل! أعتقد أنك ستقولين أن هذه زيارات بريئة!".
نعم أنها بريئة, بحق السماء , هل تعتقد جادا يا بول أنني يمكن أن أتورط في علاقة مع رجل يكبرني بأكثر من عشرين عاما؟ بصرف النظر عن أن لويس ليس الطراز الذي أحبه!".
صاح وقد بدا الشك في نبرة صوته:
" وهل تتوقعين مني أن أصدق ذلك؟".
قالت كارن وهي تشعر بالبرود حتى عظامها:
" صدق أو لا تصدق , كما تشاء".
واتجه نحو النافذة وسألها ببطء:
" هل ستخبرين روث بأنني قابلتك وأنني...؟".
أجابت كارن غاضبة:
" أعوذ بالله.... من تظنني؟ لا يمكن أن أبتزك اذا كان هذا هو ما تقصده, أن موقفك يضحكني فقط , هذا كل ما في الأمر".
وتمتم قائلا بغضب:
" هل أضحكتك؟".
ثم خطا نحوها , وتجمد جسم كارن حتى لم تعد قادرة على الحركة, وفجأة سمعا طرقة خفيفة على الباب , ووضع بول يديه في جيبيه وقال:
" أدخل...".
وأطل بنسون قائلا:
" آسف يا سيدي ... ولكن هل ستبقى لتناول العشاء؟".
نظر بول الى كارن وتردد لحظة فقط ثم قال بسرعة:
" لا ... سوف نرحل حالا... ضع سيارة الآنسة ستاسي في الكاراج الليلة يا بنسون , وسوف أرسل أدوارد ليأخذها غدا ويعيدها اليها... فهي لا تستطيع أت تقود السيارة الليلة , سوف أوصلها بنفسي الى بيتها".
أجاب بنسون في الحال:
"حسنا جدا يا سيدي".
ولكن كارن أعترضت وصاحت قائلة:
" لا داعي لأن توصلني".
أسكتها بول بنظرة حادة الى قدمها فأضطرت أن تطيع وقال وهو يصرف بنسون:
" حسنا , أتوقع أن أراك هذا الأسبوع".
وابتسم بنسون لكارن وتمنى لها أن تتحسن , وشكرته كارن وانصرف


وقبضت كارن على مسند الأريكة وحاولت أن تقف , فاستطاعت أن تقف على قدم واحدة , ولكن بول خطا نحوها وحملها بين ذراعيه قبل أن يعطيها فرصة للأعتراض , وخرج بها الى سيارته , ووصعها على المقعد الأمامي , لم يكن مستعدا لأن يراها تسير مترنحة الى السيارة , وجلس خلف عجلة القيادة بجانبها وجاء السيد والسيدة بنسون ووقفا عند الباب يلوحان لهما ويراقبان السيارة وهي تبتعد, ومرة أخرى كانا في الطريق العام, ولم تستطع كارن منع نفسها من القول وهي ترتجف:
" أنني معجبة بهذه السيارة!".
ورفع بول حاجبيه ونظر اليها مندهشا وقال:
" جميل... ستسعدين اذا علمت أنني أخترتها بنفسي".
تأثرت كارن رغما عنها وقالت:
"لم تكن عندك سيارة رائعة مثلها أيام زمان!".
قال بول بجفاف وقد سره تعليقها:
" أذكر أنك كنت تفضلين السيارة الرولز, ألا تذكرين؟ لقد شعرت برغبة في التغيير".
قالت كارن بمرح:
" أنها رائعة بالتأكيد".
قاد بول السيارة ببراعة وكارن تشعر بمتعة في صحبته , وعندما اقتربا من شقتها قال:
" أعطني مفتاحك للكاراج يا كارن, وسوف أرسل أدوارد ليحضر سيارتك غدا ويضعها فيه, ويستطيع أن يترك المفاتيح مع البواب, وتأخذينها منه".
فتحت كارن حقيبتها وأخذت تبحث عن مفاتيح الكاراج ولكنها لم تجدها وقالت معتذرة :
" لا بد أنني تركتها كلها في السيارة ولكن عندي مفتاحا أضافيا في الشقة, وهذا أفضل لأن في السلسلة مفاتيح كثيرة, وقد يجد أدوارد صعوبة في التمييز بينها, اذا سمحت بأن تصعد معي الى الشقة أستطيع أن أعطيك المفتاح".
نظر اليها بول في ضيق, وخشيت أن يظن أنها تكذب, فأفرغت محتويات الحقيبة على مقعد السيارة , كانت هناك بعض الأوراق , وكيس نقودها وأحمر شفاه وعلبة بودة وقرط, ولم يكن بينها المفاتيح.
وعندئذ سألته بغضب وهي تحدق في وجهه:
"هل أققتنعت ؟ أنتظر هنا حتى أصعد وأحضر لك المفتاح الملعون , واضح أنك مذعور ولا تريد أن تصعد معي الى الشقة!".
قال بنبرة هادئة ولكنها مهددة:
" مذعور؟".
ردت بشجاعة:
" نعم مذعورا ! لا تخشى شيئا , فلن أحاول أغراءك!".



بتسم بول نصف ابتسامة وانسل خارجا من السيارة , وانسلت هي أيضا, وأخذت تحجل على ساق واحدة حتى وصلت الى مدخل العمارة, كانت عملية مرهقة بالنسبة لها ولكنها أصرت على ألا يساعدها, وهز بول كتفيه العريضين وتبعها . وقال عدة كلمات للبواب, وسارت في طريقها قبل أن يلحق بها بول ويسألها:
" هل أنت مرهقة؟".
" كلا... أستطيع السير, اياك أن تلمسني!".
هز بول رأسه وتبعها داخل المصعد , كانت الساعة حوالي السادسة والنصف عندما وصلت كارن الى شقتها... كان الجو دافئا لطيفا في الداخل, وتوقعت كارن أن ينتظر بول على عتبة الباب, ولكنه تبعها داخل الشقة وأغلق الباب بأحكام واستند عليه, كانت هذه هي أول فرصة حقيقية يرى فيها المكان الذي تعيش فيه, ونظر حوله باهتمم ملحوظ , وخلعت كارن معطفها , وعبرت غرفة الجلوس ببطء متجهة الى غرفة نومها حيث أخذت المفتاح , وعادت الى بول فوجدته يتجول في الغرفة وينظر الى اللوحات على الجدران ويفحصها , وترددت كارن ولكنها سألته بحدة:
"هل أجرؤ على أن أقدم لك مشروبا ؟".
واستدار بول ورد بلطف :
" نعم... ولكن لا تزعجي نفسك... سوف أحضره أنا".
وصب بعض الشراب في كأسين , ناولها واحدة , وراح يحتسي من الأخرى , ثم عاد يتجول وينظر الى اللوحات مرة أخرى ويفحص كل واحدة على حدة, كان واضحا أن الرسوم تثير أهتمامه , فالتفت اليها وهي تجلس على الأريكة وقال:
" أنها صور جميلة جدا, من الذي رسمها؟".
قالت بسرعة:
" أنا".
أجاب:
" أنت؟ صحيح؟ لم أعرف أبدا أنك تهتمين بهذا النوع من الفن , كنت أظن أنك لا تهتمين الا بتصميم رسوم النسيج".
هزت كارن كتفيها النحيلين وقالت:
"أنها هوايتي , وقد قررت أن أمارسها في وقت http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpgفراغي الكبير".
أومأ بول ببطء وقال بجفاف:
" أنك تدهشينني دائما, ولكن أخبريني , لا بد أنك تعرفين أنها رسومات جيدة, هل حاولت بيعها؟
هزت كارن رأسها وقالت:
" دعنا نكون واقعيين يا بول. هناك عشرات من الفنانين يحاولون بيع مثل هذه الأشياء , أنها موضة الآن, فما هي فرصتي بينهم؟ أضف الى ذلك أن لويس يقول...".
وسكتت , وتضايقت من نفسها لأنها ذكرت اسم لويس , بينما ضاقت عينا بول وقال:
" نعم... ماذا يقول مارتن عن اللوحات؟".
عضت كارن شفتها ثم قالت:
" حسنا, يقول أنها جيدة , ولكن لا تصلح للبيع بالتأكيد , أنها تسلليني فقط, ولكنها بليدة!".
رفع بول حاجبيه , وبدا مدهوشا جدا, واحتسى بقية شرابه وقال وهو يفكر:
" أخشى أنني أختلف معه... أعتقد أنها لوحات جيدة جدا لدرجة أنني أتمنى أن أشتري واحدة!".
تورد وجه كارن وصاحت:
" أرجوك يا بول... خذ ما تشاء... ولا تذكر النقود . أنني مستعدة لأن أعطيك أية لوحة".
ونهضت من مكانها ثم استطردت قائلة:
" أختر أي لوحة تريد, أن عندي الكثير منها ".
ضاقت عينا بول وقال بجفاف:
" ولكن هذا ليس أسلوب عمل!".
" وهل علينا أن نتعامل أحدنا مع الآخر بأسلوب عمل؟".
هز بول كتفيه وصب لنفسه كأسا أخرى , وأجاب:
"وهو كذلك".
واختار لوحة بألوان حمراء وخضراء وصفراء, وقال مفكرا:
" تعجبني هذه اللوحة, أنها تذكري بغروب الشمس الذي تعودنا أن نرقبه من نوافذ تريفاين".
قالت وهي تبتسم:
" يا لمهارتك! هذا بالضبط ما قصدت أن أرسمه".
نظر اليها مليا وقال:
" كنا دائما نشترك في أمور كثيرة ... هل تذكرين؟".
ارتجفت كارن ... هل تتذكر؟ ليته يعرف كم تؤلمها هذه الذكريات!".
وتمتمت بصوت خفيض:
" نعم , أذكر".
شرب ما بقي في كأسه , وقال بلهجة غليظة نوعا:
" يجب أن أنصرف... أن لدي موعدا".
وأنزلت اللوحة وقالت:
" وهو كذلك يا بول ... خذ اللوحة معك أذن".
وأخذ اللوحة وحاول ألا يلمس يدها , وقال بجفاف:
" من يعرف؟ لعلها تساوي ثروة في يوم من الأيام".
أجابت كارن بهدوء :
" لا أطن... أوه... هذا هو مفتاح الكاراج , أرجوك أيضا أن تعطي مفتاح الشقة الأحتياطي هذا للبواب".
وأخذ المفاتيح وتمتم قائلا:
" وهو كذلك... أرجو أن تعتني برسغك".
قالت كارن بسخرية محاولة أن تبدد جو الكآبة الذي انتابها عند رحيله:
" وهل يهمك هذا حقيقة يا بول؟".
كانت الدقائق القليلة الأخيرة طبيعية على نحو ممتع ... والآن يعود بول الى روث ! وتمتم قائلا:
" نعم, يهمني!".
ثم خرج من الشقة وصفق الباب وراءه .
وحملقت كارن في الفضاء , وخفق قلبها , ترى ماذا قصد من قوله هذا؟ بالطبع لم يكن يعني شيئا مما تخيلته , كانت واثقة من هذا, ولكنها أحست بارتياح لأنهما أفترقا بطريقة ودية.
وسارت نحو الجدار حيث كانت اللوحة التي أخذها بول, كانت لوحتها المفضلة , يكفي أن تعرف أنها عنده وأنه قد ينظر اليها في بعض الأحيان, ترى هل يتذكرها عندما ينظر الى اللوحة؟ كم تمنت هذا! على الأقل سيتجه جزء من اهتمامه اليها أحيانا فأسعدتها الفكرة.
وتنهدت وأشعلت سيكارة , بعد أقل من شهرين سيتزوج مرة أخرى, بعد شهرين! هل تستطيع أن تتحمل هذا؟ وعندما يتزوج هل ستظل تفكر فيه وفي روث؟ أنها تحسد روث ! هل ستكون لحياتها أية قيمة بعد ذلك؟ وشعرت بالدموع تخزها في عينيها, أليس من الأفضل أن ترحل من أنكلترا؟ تستطيع أن تحصل على وظيفة في جنوب أفريقيا أو في أستراليا اذا أرادت , أن لها مؤهلات طيبة ويستطيع لويس أن يرشحها لوظيفة ... أنها تحتاج الى تغيير الجو , ولكنها ستكون عندئذ بعيدة عن بول... مسافة طويلة جدا , وهذا ما لا تريده , أما اذا بقيت في لندن فأنه يستطيع على الأقل أن يتصل بها تلفونيا اذا أحتاج اليها, أما اذا ذهبت الى أستراليا فلن يستطيع أن يجدها , وبالطبع لا تستطيع أن ترسل اليه عنوانها , لا... لن ترحل... ستبقى... على الأقل في الوقت الحاضر, فلا يزال أمامها شهران قبل أن يقع الحدث المحتوم!


http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 12:56 AM
5-الزجاج له وجهان
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg
بعد حوالي أسبوع كان بول على وشك مغادرة مكتبه ليتناول الغداء, عندما رن جرس التلفون الداخلي , وقطب بول وجهه وهو يرفع السماعة, وفوجىء بصوت سيمون يقول:
" يسرني أنني وجدتك, هل أستطيع رؤيتك الآن؟".
نظر بول الى ساعته , كان لديه موعد مع تاجر نسيج من ميلاند, فقال وقد نفذ صبره قليلا:
"وهو كذلك يا سيمون , تعال".
ترى ما الذي يريده سيمون الآن؟".
وضع سيمون سماعة التلفون , واسترخى بول في مقعده, ونظر مفكرا الى التلفون, وتمنى ألا يكون سيمون قد تورط في متاعب أخرى, وعندما تذكر موضوع سيمون وساندرا , استعاد آخر لقاء بينه وبين كارن, كان دائما يتذكرها منذ أن رآها ويتساءل ترى ماذا فكرت؟ ماذا يحدث لو أنه قبَلها في شقتها كما فعل معها في منزل يريفاين؟ في الشقة سيكون وحده معها , بدون أن تقاطعهما السيدة بنسون بصينية الشاي , وشعر بالدم يتدفق في عروقه وهو يتذكر عناقه لها , كان من السهل أن يقول لنفسه بهدوء وتعقل أنه لن يعتزم التورط عاطفيا مع أية أمرأة ثانية , ولكن عندما توضع النواحي العملية لمثل هذه الفكرة موضع الأختيار , فأن الحل لا يبدو بهذه البساطة , ولكنه كان مقتنعا بأن روث لن تثير عواطفه مهما واجها من أوضاع.
وعندما وصل سيمون بدا قلقا مضطربا , وسأله بول:
" حسنا يا سيمون, ماذا حدث؟".
ونظر بول بعينيه الباردتين الى وجه أخيه الذي احمر , وغاص سيمون في المقعد المقابل قائلا:
"نعم... أقصد... أنني يا بول لا أرى هذا الموضوع سهلا , وأنت لا تحاول أن تسهل لي الأمور".
رد بول بلهجة جافة بعض الشيء".
" يؤسفني هذا, أن لديَ موعدا يا سيمون , أخبرني بصراحة ماذا حدث؟ هل الموضوع يتعلق بالنقود؟".
رد بسرعة:
" كلا... أنه يتعلق بساندرا ستاسي... فقد كنت أقابلها ".
" ماذا؟".
رد سيمون ببلادة:
" لقد سمعت ... كنت أقابلها منذ أن ... حدثتني عنها آخر لقاء".
قال بول بلهجة لا تقبل المهادنة:
" أوه...".
ثم سكت, وسأله سيمون في يأس:
"ألا تقول شيئا؟".
أجاب بول ببطء:
" أنني أعطيك فرصة لتقول لي سبب هذا... لا بد أن يكون عندك تفسيرا!".
" نعم... ولكن... قد لا تظنه كافيا".
قال بول متبرما :
" حسنا... استمر".
" لقد بدأت ساندرا تتصل بي تلفونيا , بل تمادت الى حد أن تتصل بي تلفونيا في المنزل ... وكتبت لي أيضا رسائل ... وتستطيع تصور نوعية مثل هذه الرسائل , وبدأت جوليا تغضب, وواقفت على مقابلة ساندرا وأنهاء كل شيء".
أخرج بول سيكارة من علبة السكائر الموضوعة على مكتبه وأشعلها, وأعاد الولاعة الى جيبه, واستمر يتفحص وجه أخيه الذي استطرد قائلا:
" حسنا, عندما تقابلنا بدأت تهددني بكل شيء اذا أنهيت علاقتي بها, كنت غبيا, ولكنني تركتها تملي أرادتها , أن الأمور في أية حال بدأت تفلت من يديَ الآن. أنها تريد أكثر مما أنا مستعد لأعطائه ... أنها تريد الزواج!".
قال بول وهو يهز رأسه:
" الواقع أنني لا أستطيع أن أفهم عقليتك .بحق السماء ما الذي أعجبك فيهاأولا؟ أنها ليست من طراز الفتيات الذي يعجبك , أنها ترتدي ثياب كريهة!".
رد سيمون بحرارة:
" هذا هو رأيك فقط ... أنها في الواقع فتاة حلوة".
قال بول ببرود:
" أذن تزوجها ".
تململ سيمون قلقا في جلسته , ومدَ أصابعه الى ربطة عنقه ثم قال في حرج:
" أن جوليا... لا يمكن أن تطلقني!".
" يمكن أن تطلقك اذا عرضت عليها تسوية سخية, ألم تلاحظ أن المال هو الذي يهم جوليا ؟ أنك وسيلتها للحياة في الوقت الحاضر, ولكن اذا كانت غنية بحيث تستطيع تكفًل نفسها , فلا أحد يعرف ما يمكن أن تفعله!".




تمتم سيمون:
" وهو كذلك , لقد أوضحت وجهة نظرك".
" الواقع أنني أوضحتها , أنك لا تريد أن تطلق جوليا لأنك تحب وضعك الحالي المريح بلا روابط تقيدك, كن أمينا مع نفسك واعترف بذلك".
قال سيمون:
" وهو كذلك , وهو كذلك ... أنا موافق , ساعدني أذن".
سأله بول بأمتعاض:
" لماذا يتعيَن علي أن أساعدك ؟ يجب أن أتركك تدير شؤونك بنفسك, ولو كانت أية فتاة أخرة غير ساندرا ستاسي لتركتك وشأنك".
" أعرف , ولكنك ستفعل شيئا بالتأكيد لأنها أخت كارن".
بدا الغضب على بول الآن , وصحح له قائلا:
" بل لأنها في السابعة عشرة من عمرها, وبلا حكمة".
وقال سيمون وهو يهز كتفيه:
" فليكن , المهم أن أخرج من هذا المأزق , هل تفهم؟".
" أفهم تماما , أذن لا تقابل ساندرا من الآن فصاعدا , ومهما قالت لك , سوف أعد الترتيبات لك لتغادر لندن لفترة , وعندما تعود سأكون قد سويت المشكلة وأنتهيت منها".
" رائع... ولكن حاول أن تبعد هذه... عني".
تنهد بول وقال:
" لا أعرف ما الذي يعجبها في شخص ضعيف مثلك".
" أنه سحر آل فريزر! أم أنك لا تمارس سحرك يا أخي العزيز؟".
كانت عينا بول باردتين , وهو يقول مهددا :
" أخرج من هنا فورا قبل أن أفقد أعصابي حقا".
رد سيمون ساخرا:
" سأخرج ... شكرا على وقتك".
وصفق الباب وراءه .
وتنهد بول بعمق , كان يسره أن يصبح سيمون قادرا على تدبير شؤون حياته بطريقة أكثر ذكاء , وحملق شاردا في الفضاء, كان لا بد من الأعتراف بأن سيمون هذه المرة لم يكن الملوم وحده , كانت ساندرا مخطئة أيضا ... أن الرجل في العادة لا يتقرب من أمرأة الا اذا وافقت , وعندما تاح لأي رجل هذه الفرصة فأنه بالطبع ينتهزها... ترى هل هذا هو ما حدث في حياتهما ؟ هل كانت ساندرا هي التي ألقت بنفسها عليه منذ البداية ؟ والى أي حد تمادت؟ ودعا ألا تكون ساندرا قد تمادت أكثر مما يجب , هل هي حمقاء الى هذا الحد؟ لعلها ظنت حقا أنها تحبه؟ أن نساء كثيرات يعتبرنه جذابا ... وبالنسبة لفتاة دون العشرين مثا ساندرا , فربما بدا سيمون فتى الأحلام!".
وقطب جبينه وسحب نفسا من سيكارته , ولكن سيمون متزوج , ولا يصح العبث مع رجال متزوجين حتى ولو كانت العابثات من سنهم, ناهيك عن المراهقات!.
ورغم حالة ذهنه المشوشة ذهب بول لمقابلة أرنولد جيسون, وطوال الغداء ظل صامتا منطويا على نفسه على عكس طبيعته عندما يكون في حالة عادية , وكانت النتيجة أنه لم يصل معه الى أي أتفاق , ولم يجر معه أي نقاش هام , وكان لا بد من ترتيب مقابلة ثانية... وشعر بول بأنه لم يكن ليدهش لو أن جيسون قر أن يذهب الى شركة أخرى لينفذ عمله , كان بول وقحا وكان من حق جيسون الأعتراض , وأن يتوقع منه معاملة أفضل , ولكن من حسن الحظ أن جيسون كان رجلا متفهما وأدرك تماما أن شيئا ما يزهج رفيقه, فافترقا على نحو ودي بعد أن رتبا مقابلة في يوم آىخر.
كان بول في حالة مضطربة جدا , عندما عاد الى مكتبه في الساعة الثالثة ., واضطر أن يعتذر لسكرتيرته , بعد أن ثار في وجهها بدون سبب, فتمتم قائلا , وقد لاحت على وجهه أبتسامة أعتذار:
" سامحيني ... آسف اذا كنت تصرفت بوقاحة".
ابتسمت الآنسة هوبر وقالت:
" لا عليك يا سيد فريزر , أعرف أن السيد سيمون كان هنا منذ قليل".
ابتسم بول بدوره , لقد استطاع الآن أن يفهم كيف قدرت الأمور .
كان كل من يعمل في الشركة يعرف حماقة سيمون , فلم يبذل أية محاولة ليجعل شؤونه الخاصة سرا.
وبعد أنصراف الآنسة هوبر, أشعل سيكارة , كان عليه ايجاد حل لمشكلة ساندرا, كان من عادة سيمون التورط في مشكلة, ثم يتوقع من شخص آخر أخراجه منها.
وبدأ حل يتكون في ذهنه بعد الظهر , وتحسنت حالته النفسية لذلك, لو أستطاع الأنتهاء من تلك المشكلة فأنه سيرتاح تماما, بدلا من أن يفكر ويتساءل ويخشى ما يمكن أن يحدث بعد ذلك, وفجأة مال الى الأمام ورفع سماعة تلفونه الخاص خارج الخط, وأدار رقم شقة كارن بشعور غريب أشبه بعدم رغبة , كان لا بد أن يتحدث اليها , فلماذا لا يفعل وينتهي؟ ورن جرس التلفون على الطرف الآخر من الخط.
وبعد فترة بدت وكأنها دهر, وبعد أن فكر بول في أعادة السماعة الى مكانها , سمع صوت كارن تقول لاهثة:
" نعم, من المتحدث؟".
تردد بول لحظة , ثم قال بلهجة جافة بعض الشيء:
" أنا بول يا كارن".
شعرت كارن بقلبها يقفز بين ضلوعها عندما سمعت الصوت الأجش يخاطبها , ترى لماذا طلبها اليوم؟ لا يمكن أن كون هذا بخصوص ساندرا!".
أجابت وهي تحاول أن تبدو طبيعية وهادئة:
"أهلا يا بول , آسفة لأنني جعلتك تنتظر , فقد كنت في الحمام".
" بالتأكيد لم تكوني نائمة في الحمام!".
كان المرح يبدو في نبرات صوته.
وضحكت كارن وقالت:
" لا ... على الأقل لا أعتقد ذلك, آسفة يا بول".
وتنهد بول وقال لها بطريقة جادة:
" حسنا ... أحرصي على ألا تفعلي شيئا بهذا الغباء!".
صاحت مقاطعة:
" حبيبي... قل ما تريد , أنني أتجمد, فلم أرتد ثيابي كاملة ".
وقال مؤنبا:
" أوه كارن... هل أتصل بك بعد دقائق؟".
قالت مفكرة:
" تستطيع الحضور بعد دقائق , سأكون قد أرتديت ثيابي بالطبع".
" لا ... شكرا".
كان بول مصمما ... ويعرف أنه اذا خضع لأغراء الذهاب الى شقتها , فلا يعلم الا الله ماذا يمكن أن يحدث! لعلها تتعمد أثارته ... وقالت كارن:
" وهو كذلك يا حبيبي... سوف أتجمد بعد لظات ... ماذا حدث لسيمون وساندرا؟".
" أنهما يتقابلان".
قالت كارن في دهشة:
" ماذا؟".
" نعم... أعرف أنهما كانا يتقابلان حتى اليوم في أي حال, أعتقد أنني أستطعت أقناع سيمون الآن, هل تعتقدين أنك أنت وأمك تستطيعان أن تفعلا الشيء نفسه مع ساندرا؟ من الواضح أنها تجري وراءه في المكتب وفي المنزل وتكتب له رسائل أيضا".
صاحت كارن:
" يا ألهي. هل تعتقد أنها يمكن أن تتعقل؟".
" لا أعرف , أنها أختك , وأنت تعرفينها أفضل مني , لا شك أنها مجنونة بحبه ... لقد جاء سيمون وقابلني اليوم... وهكذا عرفت...".
بدا الضيق في صوت كارن عندما قالت:
" لا أستطيع التفكير في شيء أقوله لها, وأنت تعرف موقف أمي منها".
" أعرف ... أسمعي , ألا تستطيع أمك هي وساندرا أن تقوما بأجازة في أي مكان خارج لندن؟ أن بضعة أسابيع يمكنها أن تتيح لسيمون العثور على فتاة أخرى , وبالأضافة الى ذلك قد تجد ساندرا لنفسها شيئا جديدا يثير أهتمامها , من الواضح أنها صغيرة وتمتلىء بالحياة , رغم أنه يبدو أن الفتيان في سنها لا يروقون لها , والا فلماذا تعجب بسيمون".
قالت كارن وهي تتعمد أغاظته :
" مثلي... ولكن بصراحة يا بول أن أمي ليست غنية كما تعرف , ولا أعتقد أن بأستطاعتها القيام برحلة الى أي مكان في الوقت الحاضر".
قال بول بهدوء:
" أنني على أستعداد لتمويل الرحلة".
صاحت كارن غاضبة:
" كلا... كلا... لا تقل شيئا من هذا القبيل يا بول , أن هذا الموضوع لا يخصك!".
" أوه... ولكنه يخصني... فأنا أريد ساندرا أن تترك سيمون بقدر ما تريدينها أنت ... أنها أصغر منه بكثير ولا أريد أن تصاب بأي سوء".
" حسنا , لا أعرف ماذا أقول , يبدة الأمر وكأنني أطالب بنقود".
" أنني أستطيع دفع نفقات الرحلة يا عزيزتي كارن".
" أعرف .... ولكن...".
وخفت صوتها ثم عادت تقول:
"في أي حال أتصل بأمي واعرض عليها الفكرة , أنها ستفرح جدا , فكبرياؤها تتلاشى عندما يأتي حديث النقود!".
قال بول وقد بدا سعيدا:
" لا تكوني متباعدة هكذا يا كارن ومستقلة , أنني أود المساعدة, أود أن أساعدكم جميعا".
قالت في محاولة أخيرة:
" ولكن هذه مشكلتنا ".
قال بنعومة:
" لقد جعلتها مشكلتي أيضا ... هل تذكرين؟".
شعرت بأنه غلبها فقالت باستسلام:
" حسنا... أفعل ما تشاء يا بول".
بدا بول قلقا وقال:
" اسمعي يا كارن , سأمر عليك في الشقة حوالي الساعة الثامنة هذا المساء , ونذهب معا لرؤية مادلين وساندرا ... هل توافقين؟".
تنهدت كارن وشعرت بمقاومتها تضعف , كان وضع المشكلة في يدي بول شيئا رائعا, لقد بدا الوضع وكأنه أبا روحيا لها , واضطرت الى الأستسلام.
واعترفت بهدوء قائلة:
" أنها فكرة عظيمة ... ولكن ... الا ... تعترض روث؟".
تساءل بول بسرعة:
" لماذا تعترض ؟ كفي عن أقحام أموري الشخصية في هذا . أن الموضوع يتعلق بأمك وساندرا فقط... وليس بأي شخص آخر".
صاحت كارن:
" وهو كذلك يا حبيبي, لا تغضب مني, ولكن ألا تتوقع روث أن تراك الليلة؟".
أجاب في تهكم:
" لا ... لقد طارت الى الولايات المتحدة منذ بضعة أيام لتحضر أبويها للزفاف...".
شعرت كارن بالألم المعتاد في معدتها وقالت:
" أوه... حسنا يا بول, هل ستصعد الى الشقة أم أنتظرك أمام العمارة؟".
أجاب وقد بدا صوته مرحا مرة أخرى:
" سأصعد الا أذا توقف المصعد في منتصف الطريق بالطبع!".
وضحكت كارن وأعادت السماعة الى مكانها , رغم أن موضوع ساندرا وسيمون كان مشكلة, الا أنها شعرت بشيء من الأمتنان نحوهما لأنهما كانا السبب في لقائها مع بول مرة أخرى ! ولكن ألا تثير المشاكل لنفسها بهذه الطريقة؟ من يدري لعل بول أعتبر المسألة مجرد حلقة مسلية في حين أنها تتورط عاطفيا على نحو أكثر كل دقيقة.




وفي الساعة السابعة والنصف سمعت طرقا على الباب , ونظرت الى ساعتها بدهشة, لقد أتى بول مبكرا, كانت تجلس على الأريكة تقرأ في مجلة فألقتها جانبا , وذهبت لتفتح الباب بلهفة, وهي ترتدي ثوبا بلون الشمسيتناسب مه لون بشرتها العاجية الجميلة, وشعرها ينسدل فوق كتفيها , وعندما فتحت الباب وهي تبتسم مرحبة تراجعت في دهشة وأستياء واضح, فقد وجدت أمامها لويس مارتن!".
وصاحت قائلة:
" أنها مفاجأة يا لويس ".
ضاقت عيناه قليلا وهو يلمح ثوبها ووجنتيها المتوردتين وقال:
" تبدين جذابة جدا , أعتقد أنك تستعدين للخروج".
أجابت في حرج:
" نعم بعد قليل ... هل تريد الدخول؟".
"شكرا".
ودخل لويس وأغلقت كارن الباب بشيء من الضيق . وقدمت له مشروبا ثم سألته:
" والآن ما الذي أستطيع أن أعمله لك؟".
ابتسم لويس وقال:
" أردت أن أعرف هل ترغبين في عمل التصميم الجديد الذي سيعرض في شهر آب( أغسطس) لقد توقعت أن تذهبي الى المكتب هذا الأسبوع , ولكنك خيبت أملي, فقررت الحضور لأطمئن عليك, يبدو أنك بخير".
وشعرت كارن بالغضب , لم يكن لويس قد قال شيئا غير مناسب ولكنها شعرت رغم ذلك بشيء في سلوكه , ولكنها لم تستطع تحديده, وأجابت:
"حسنا أنني لا أزال أعمل في تصميم السجاجيد ...".
"نعم بالطبع, أعرف يا عزيزتي ... على مهلك".
كادت تقول له: أذن لماذا أتيت الى هنا؟ هل تتجسس علي؟ ولكنها حاولت السيطرة على أعصابها , وتساءلت , ترى هل سيظل جالسا مدة طويلة؟ اذا وصل بول ووجد لويس فأنه يشك في شيء ! لماذا يا ترى أختار هذه الليلة بالذات ليزورها؟
وقدم لها سيكارة وألقت نظرة على ساعتها , ثم نهض لويس وأخذ يجول في الغرفة وينظر الى اللوحات , ترى هل سلحظ أن هناك لوحة ناقصة؟
وأخيرا قال:http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
" لا أفهم حقيقة لماذا تضيعين طاقتك في هذه الرسوم؟".
فكرت كارن ... لا بد أنه قال ذلك متعمدا , وأجابت بجمود :
" أحب أن أسترخي عندما لا أعمل ".
استدار اليها ثم قال:
" نعم, أن الأسترخاء شيء عظيم , وماذا تفعلين أيضا لتنعمي بالأسترخاء؟".
قطبت كارن جبينها , ترى ما الذي يقصده الآن؟ وقالت ببطء:
" أرسم ... وأقرأززز وأقود السيارة"ز تمتم بهدوء:
"تقودين السيارة ؟ نعم... أنها هواية بهيجة جدا , لقد شاهدت سيارة بالقرب من هنا أثارت أهتمامي منذ أيام!".
بدأ الملل ينتاب كارن , كما أن بول يمكن أن يصل في أية لحظة , قالت:
" صحيح.. أنها من طراز ليموزين , أليس كذلك؟".
قررت كارن أن تأخذ الثور من قرنيه , فقالت في تحد:
" أعتقد أن بول يقود سيارة من طراز ليموزين ".
ولم تبد الدهشة على لويس رغم أنه قال:
" لم أكن أعرف".
كانت كارن مقتنعة بأنه يعرف جيدا, وأن هذه طريقته ليخبرها بأنه عرف أن بول زارها في شقتها , ترى ما الذي كان يفكر فيه ؟ هل يتبعها بنفسه؟ أم أنه أرسل أحدا لمتابعتها ؟ وارتجفت رغما عنها, واخيرا قالت بوضوح:
" لقد أتى الى هنا منذ عدة أيام, جاء ليرى لوحاتي الفظيعة , ولكنه قال أنها جيدة".
ضاقت عينا لويس ببرود وقال:
" صحيح ... شيء لطيف جدا".
وفجأة سمعت طرقا على الباب , وتجاهلت كارن لويس وذهبت تفتحه وهي تشعر بالأمتنان .
كان بول يرتدي حلة زرقاء داكنة ومعطفا سميكا من وبر الجمل , ويبدو أنيقا وسيما لدرجة أن كارن تمنت أن تلقي بنفسها بين ذراعيه!
وابتسم لكارن ثم رأى لويس , وأمسكت كارن بذراعه وجذبته ليدخل وهي تقول:
" أن لويس سيرحل حالا".
واتجه لويس نح الباب , وقالت له كارن:
" سوف أخبرك عن هذه التصميمات بعد يوم أو يومين".
قال لويس:
"وهو كذلك".
ثم انصرف , ولم ينطق بول بكلمة, وأغلقت كارن الباب وراءه واستندت عليه , ثم نظرت الى بول وقالت وقد احمر وجهها:
" لمعلوماتك , لقد وصل لويس في الساعة السابعة والنصف تماما".
أجاب بول وهو يفك أزرار معطفه:
" لا داعي لأن تبرري لي تصرفاتك , أن شقتك لطيفة يا كارن".
تنهدت كارن وقدمت له بعض الشراب , وقدم لها سيكارة وجلس على الأريكة , كان يبدو مرتاحا وكأنه في منزله , وبدأت كارن تشعر بالسعادة , وأخذت نفسا من سيكارتها وعبرت الغرفة في قلق, وفجأة قال بول بلهجة آمرة:
" أجلسي...".
أطاعته وجلست على مقعد منخفض.
قال بهدوء:
" والآن... أنني لم أحضر الى هنا لأتشاجر معك, حتى ولو وجدت أن مارتن في وضع المالك".
ردت كارن وهي تتنهد:
" أن لويس لا يملك شيئا , لا يملكني أنا على الأقل , لماذا يجب أن تقول مثل هذه الأشياء يا بول".
ونهضت, ومرة أخرى عبرت الغرفة , وبينما كانت تمر أمام بول مال الى الأمام , وبسرعة أشبه بسرعة النسر قبض بأصابعه على معصمها وشدَ عليه ... وسألها وقد بدا الغضب ولتوتر في عينيه :
" ماذا تتوقعين مني أن أقول؟".
قالت معترضة وهي تحاول التخلص من قبضته:
" أنك تؤلمني...".
" صحيح؟".
ولم يخفف من قبضته , ولكنه هبَ واقفا ومضى يقول:
" استمري ... ماذا تتوقعين مني أن أقول؟ أنني معجب بثوبك! وتبدين جميلة جدا هذه الليلة!".
احمر وجه كارن وقالت:
" لا يمكن أن أتوقع مثل هذا الكلام .... لا أتوقع مثل هذا الكلام الصريح... أنني أعرف أنك رجل خاطب الآن... كل ما أريد ألا تلقي تلميحات مستترة".
اسودت عينا بول وقال في عنف:
" أن هذا الرجل يعرَك في كل مرة ينظر فيها اليك , واذا لم تلحظي النظرة في عينيه فلا بد أنك ساذجة على نحو لا يصدق!".
صاحت قائلة:
" أنك مجنون , أن لويس ليس من هذا الطراز".
ولكن حتى وهي تنطق هذه الكلمات كانت تتساءل عما اذا كانت صحيحة تماما , لقد كان لويس لحوحا في الأيام الأخيرة , وانتزعت كارن نفسها من قبضة بول ثم قالت:
" الأفضل أن نخرج".
وارتدت معطفها الموهير الجميل الذي اشتراه بول لها, وأبرز لونه العاجي صفاء بشرتها البيضاء , ولم يبد على بول أنه تذكر المعطف فأومأ برأسه موافقا وخرجا, كانت سيارته الجديدة أمام العمارة , ولا تتناسب مع هذا الحي المتواضع , ولكن كارن شعرت بالدفئ يتدفق في جسمها , عندما أدركت أنها ستقضي أمسية برفقة بول , وأنطلقت بهما السيارة , ومرا بسيارة كانت تقف في مكان مظلم في الحي, وأحست كارن بأنها سيارة لويس , ترى هل كان يراقبها ليعرف متى غادر بول شقتها ؟ وأفزعتها الفكرة وأغضبتها , وخطر لها أن تخبر بول بشكوكها , ولكنها عدلت عن ذلك, خشية أن يصمم على العودة ومواجهة لويس , ولم تكن تستطيع تحمل مشادة أخرى هذه الليلة!
ونظر اليها بول بفضول غير مرة أثناء المسافة القصيرة حتى وصلا الى منزل أمها , كانت صامتة ومنطوية على نفسها , وتمنى لو عرف فيم تفكر... أوقف السيارة أمام المنزل, فانسلت كارن قبل أن ينزل بول ويساعدها , وفتحت الباب بمفتاحها , ودخلت يتبعها بول ... وشعرت كارن بحرج , كانت لا تزال زوجة بول عندما صحبها لزيارة أمها آخر مرة , وعندما سمعت ليزا صوتهما جاءت بسرعة من المطبخ , وبدت مذهولة عندما رأت بول وصاحت:
" أهلا بك يا سيد بول... يا لها من صدمة يا سيدي".
" آسف يا ليزا... كيف حال مدبرة المنزل المفضلة عندي؟".
ضحكت ليزا بمرح , وتوهَج وجهها , وتنهدت كارن , كان في استطاعة بول أن يأسر لبَ أي شخص , وليزا دائما تقع أسيرة سهلة لسحره , وقالت:
" السيدة ستاسي وساندرا في غرفة الجلوس , وأعتقد أنهما تشاهدان التلفزيون".
وكانت مادلين وأبنتها الصغرى تشاهدان التلفزيون فعلا , وقد جلست ساندرا على مقعد ترتدي بنطلون جينز وبلوزة بدون أكمام , وتبدو متبرمة ممتعضة , وعندما رأت كارن وبول قفزت واقفة وصاحت بطريقة مسرحية قائلة:
" حسنا ... حسنا... أنظري من هنا يا أمي".
هبت مادلين واقفة , وأخذت تحملق هي الأخرى في وجه بول وهي لا تصدق , وصاحت:
" ولدي العزيز, يا لها من مفاجأة رائعة, ما معنى هذا؟".
وأنتقلت نظرتها الى كارن التي علقت بلهجة جافة قائلة:
" لا شيء مما تفكرين فيه يا أمي ... أن بول يريد أن يتحدث معك لأن عنده اقتراحا يريد عرضه عليك".
بدا الأهتمام على مادلين , كانت حياتها مملة في الأيام الأخيرة , كما أن موضوع ساندرا وسيمون زادها كآبة , ولذلك شعرت بشيء من السعادة عندما سمعت أن بول جاء ليقدم لها أقتراحا ... كان بول كريما معها دائما, فابتسمت ابتسامة لطيفة , وقالت بلهفة:
"ما هو الأقتراح أذن؟".
نظرت كارن الى ساندرا وطلبت منها أن تتركهم قليلا , ولكن ساندا عبست واعترضت قائلة:
" لماذا أترككم... لست طفلة , ما هذا الذي لا تريدون مني سماعه؟".
عندئذ نظر اليها بول مباشرة وقال:
" سوف تعرفين بعد قليل... أتركينا فقط نتحدث مع أمك وحدها دقائق قليلة ... أرجوك".
استجابت ساندرا لطلب بول الهادىء , كان لطيفا وحاسما في الوقت نفسه, وتحرص دائما على أرضائه قبل أي شخص آخر , ولكنها قالت متوسلة:
" هل الموضوع يتعلق بسيمون ؟ هل تريدني أن أتركه يا بول؟".
" لا تقلقي يا ساندرا ... كل حديثي مع أمك سيكون لصالحك!".
" ولكن هل ستفرقون بيني وبين سيمون؟ لا تستطيع ذلك يا بول ".
وبكت بحرقة ثم صاحت غاضبة وقد تغير وجهها :
" كلكم تكرهونني , كلكم لا تريدون سعادتي".
بدا الغضب في صوت بول وهو يأمرها قائلا:
" كفى... اذهبي الى غرفتك الآن حتى نستدعيك".
وخرجت ساندرا وصفقت الباب وراءها, وسمعوا وقع خطواتها صاعدة الى غرفتها , وأغلقت مادلين التلفزيون , بينما جلس بول على الأريكة وأخذ يدخن , نظرت اليه كارن وشعرت بقلبها يتقلص, لم يكن يستطيع أي رجل آخر أن يؤثر عليها مثل بول , مجرد النظر اليه يغمرها بالسعادة , بول شعر بنظراتها اليه فنظر اليها بدوره , وألتقت عيونهما لحظة , وأشاحت بنظرها خشية أن يرى المشاعر في عينيها وتساءلت: ترى كيف يفكر في هذا الموضوع , فيما يتعلق بأمها وساندرا؟
ما لبثت أن بدأت الحديث قائلة:
" حسنا يا أمي, ساندرا لا تزال تحاول مقابلة سيمون! وقد تأكد بول من هذا ...".
أجابت مادلين مذعورة:
" ماذا ؟ ولكنك أخبرتني...".
قطع بول المشادة التي توشك أن تبدأ , فقال موجها كلامه لمادلين:
" يحسن أن تسمعيني قبل أن تقولي أي شيء".




احمر وجه الأم وقالت:
" حسنا... ولكنني ظننت أن كارن حدثتك عن الموضوع قبل ذلك".
صاح بول قائلا:
" لقد فعلت, على أن تدخلي لم يكن ناجحا تماما, أبنتك الصغيرة العزيزة تكتب رسائل عاطفية لسيمون , وتتصل به تلفونيا في المكتب وفي البيت, حتى أن جوليا بدأت تشكو".
وذهلت مادلين , كان تصرف ساندرا الصغيرة على هذا النحو المشين مذهلا بالتأكيد .
ووضعت يدها على فمها وصاحت في ألم وهي لا تصدق:
" لا , لا , كيف تتصرف على هذا النحو؟ كيف تهين كرامتها هكذا؟".
تنهدت كارن وقالت:
" أرجوك يا أمي ... لا تكوني عصبية".
" عصبية؟ كيف تتمالكين هدوءك بالنسبة لهذا الموضوع؟ أن أختك على علاقة برجل متزوج! أليس لديك شعور يا كارن ؟ لعلك لا تهتمين بكل هذا! طبعا , أنت فتاة مستقلة ... واستقلالك قلب حياتك رأسا على عقب!".
توهَج وجه كارن خجلا , ونظرت الى بول , كانت أمها تتصرف حتى تلك اللحظة بمنتهى الأدب والهدوء في وجود بول , ولكنها الآن تلقي بالأتهامات جزافا... فماذا يقول؟".
والواقع أن بول دهش من محاولة مادلين وضع المسؤولية على عاتق كارن. أنها تلوم كان مع أنها يجب ألا تلوم الا نفسها. فما لبث أن قال بوضوح:
" مادلين... كارن ليس لها يد في هذا الموضوع... ليس لها يد على الأطلاق , أنت الملومة! لقد دللت ساندرا وأفسدتها طوال حياتها , حتى أعتقدت أنها تستطيع أن تأخذ ما تشاء , واذا بها تفاجىء الآن بأن الحياة ليست مفروشة بالزهور".
شعرت مادلين بصدمة , كارن فقط هي التي تنتقدها ... ولكن بول يلومها الآن أيضا , قالت مدافعة عن نفسها وقد أمتلأت عيناها بالدموع.
" أنني أمها , مات أبوها وهي طفلة صغيرة . ولذلك أخصها برعايتي وحناني , واذا كنت قد دللتها قليلا...".
قاطعها بول بصراحة قائلا:
"دعينا نكون صادقين على الأقل , لقد حطمت ساندرا , وأشك في أن أيا منكما يمكن أن تتغير الآن . أنني أريد أن أساعدك , ليس فقط من أجل ساندرا ولكن من أجل سيمون أيضا . لقد عرضت أقتراحا على كارن اليوم فقالت أنه قد يساعد على حل المشكلة , وأردت أن أعرف رأيك قبل أن ننفذه".
مسحت مادلين عينيها وقالت في هلع:
" لن تأخذا ساندرا مني...".
وصاحت كارن في يأس:
" طبعا لا يا أمي. لسنا عديمي الأنسانية".
تنهد بول ومضى يقول:
" أقترح أن تغادري أنت وساندرا لنددن , وتقوما باجازة في أي مكان لعدة أسابيع , لا شك أن ساندرا ستنسى كل شيء عن سيمون. وسوف أتولى دفع كل نفقات الرحلة , ما رأيك؟".
ازدادت عينا مادلين أتساعا , وفكرت كارن وهي متقززة في أن النقود التي ستنفق على أمها لا تعني لها شيئا ما دامت ستتمتع بأجازة ! بل شكت كارن في أن تكون أمها فكرت حقا في ساندرا بعد أن قدم بول أقتراحه بالأجازة !
وصاحت أخيرا :
" يا لها من فكرة مدهشة يا بول! لا أعرف كيف أشكرك ... أنه حل مثالي".
بدت السخرية على وجه بول , وأدركت كارن أنه لا بد تأكد أنه لا بد تأكد من سلطان المال على كل شيء ...وبدت مادلين أشبه بمتسابقة في سباق الحصول على المال , أما مشاعرها بالنسبة لساندرا فكانت في المرتبة الثانية!
قال بول بهدوء:
" أفهم من ذلك أنك موافقة!".
" طبعا ... أنه حل مدهش ... سامحيني يا كارن لأنني تصورتك لا تهتمين بنا".
" أنها فكرة بول ... لا تشكريني , لا شأن لي بها".
بدت السعادة عليها وهي تتصور نفسها بعيدة عن جو لندن الملوث في ذلك الحين.
ونفث بول دخان سيكارته ببطء متعمد , ثم قال وهو يفكر :
" أقترح أن تذهبا الى أسبانيا , أنها مكان رائع في مثل هذا الوقت من السنة".
شهقت كارن وقالت في دهشة:
" أسبانيا... أعتقدت أنك تقصد أن يذهبا الى مكان ما بجنوب أو غرب أنكلترا , أو شيء من هذا القبيل".
هز بول كتفيه وقال مستنكرا:
" أجازة في أنكلترا في هذا الوقت من السنة لا توجد يا عزيزتي أية متعة على الشواطىء الآن في الأعاصير والمطر".
ثم نفض رماد سيكارته , وقال مخاطبا الأم:
"والآن أقترح أن تتولي أنت ابلاغ ساندرا , ومن الأفضل أن تتجاهلي موضوع مقابلة ساندرا وسيمون مؤخرا , ويكفي أن تقولي أنك تحتاجين الى قضاء اجازة للراحة , وأنني وافقت على دفع نفقات الرحلة , قد لا تروق الفكرة لساندرا, ولكن عندما تصلان الى شاطىء اسبانيا ستتمتعان فعلا بجو ينسي ساندرا متاعبها ".
" هذا صحيح يا بول, أنني متأكدة من أن ساندرا ستلتقي بصديق آخر عندما تبتعد عن أخيك!".
نهضت كارن من مكانها وقالت ببرود:
" سنخرج الآن يا أمي ... واذا أردت أي شيء فأتصلي بي, واذا واجهت أية مشكلة أخبريني".
وبدت السخرية في عبارتها الأخيرة , والواقع أن أمها شفافة مثل الزجاج , رغم أن الزجاج يكون له وجهان في بعض الأحيان!
ثم أردف بول قائلا:
" سأطلب من سكرتيرتي حجز التذاكر والغرف في الفنادق , وليس عليك الا أن تعدَي جوازات السفر لك ولساندرا , هل تستطيعين الأستعداد للسفر بعد أسبوع؟".
أجابت مادلين والفرحة تبدو في عينيها:
" نعم... أوه... بول حبيبي , أشكرك مرة أخرى , أشكرك من كل قلبي!".
هز بول رأسه , وفتح باب غرفة الجلوس, فأخذ معطفه ومعطف كارن من الخزانة , كما كان يفعل عندما كانا متزوجين , وعندما ساعد كارن على أرتداء معطفها , تذكر أنه كان يفعل ذلك في الأيام الماضية! وتذكر كيف كانا يفرحان بعودتهما الى بيتهما حيث يخلعان معطفيهما , ويجلسان أمام المدفأة في منزل تريفاين , ويتحدثان في أشياء عامة , وكل منهما سعيد بصحبة الآخر , ولكن كل شيء قد تغيَر , كيف يمكن أن يسامح كارن لأنها حطمت حياته!
وفي طريقهما الى شقة كارن سألها بول اذا كانت قد تناولت العشاء , فلما أجابت بالنفي قال:
"أذن ما رأيك في تناول العشاء معي؟".
اتسعت عينا كارن وقالت مبتسمة:
" طبعا, اذا كنت تريد".
" ليس لديَ عمل هذا المساء وكذلك أنت , فلماذا لا نقضيه معا".
رقص قلبها فرحا لأنها ستقضي المساء مع بول.
وغادرا لندن, ووصلا الى مطعم اسمه أيبوني كين, كان مكانا فخما , وانبهرت كارن بالديكور الرائع , والمضيفات الفاتنات , وكان الأثاث مصمما ليناسب المكان بموائده ومقاعده وأزهاره , وقام المدير بنفسه بخدمة بول , ورغم أن الغرفة كانت مزدحمة الا أن مائدة أو مائدتين وضعتا في ركن منعزل , وجلسا حول مائدة, وقدم المدير قائمة الطعام لبول, وابتسمت كارن وقالت:
" تبدو معروفا هنا".
قال وهو يبتسم ابتسامة لطيفة:
" يجب أن أكون معروفا , لأن شركتي تملك هذا المكان!".
قالت كارن في دهشة:
" لم أكن أعرف أن الشركة تستثمر أموالها في المطاعم".
" أننا لا نفعل ذلك عادة , أنها تجربة , واذا نجحت فستحصل على دعاية فخمة من ورائها".
أومأت كارن موافقة وقالت وهي تهز كتفيها النحيلتين :
" أعتقد أنها كانت فكرتك".
ابتسم بول وسألها:
" كيف خمنت؟ هل أطلب الأكل!".
ونظر اليها متمعنا فأجابت كارن:
"بكل سرور , أنك تعرف أجمل الأشياء!".
أجاب بجفاف:
" ليس في الأكل فقط".
واحمر وجه كارن, وبدت مسرورة عندما حضر رئيس الخدم لخدمتهما.
واختار بول عدة أنواع من الطعام , وبينما ذهب الموظف لأحضار الطلبات , أخذت كارن تجول بعينيها في المكان , وتساءلت: ترى هل يعرف الموجودون بول؟ وهل يعرفونها؟
وسألته كارن بفضول:
" متى أفتتح المطعم؟".
" منذ حوالي شهرين على ما أعتقد".
واتجهت كارن بنظرها الى الفرقة الموسيقية التي كانت تعزف ألحانا شكلت خلفية لحديث الموجودين , كان مكان الرقص صغيرا ولكنها تذكرت أن الراقصين في هذه الأيام لا يتحركون كثيرا, ونظرت الى بول وهو يتفحص قائمة الشراب , لم يكن منتبها لنظراتها وكان في استطاعتها أن تتفرسه , كان أنيقا كالعادة بشعره الأسود اللأمع , وقميصه البيض الناصع , وبشرته السمراء التي لفحتها الشمس, وشعرت بقلبها يخفق بألم, كيف استطاعت أن تتركه كل تلك السنين ؟ كيف يمكن أن يفترق الناس بلا رجعة؟ الكبرياء لا تغري الا قليلا في أوقات كهذه !
ترى هل ستكون روث عامل التوجيه في حياته من الآن فصاعدا؟ وهل تحتمل هذا؟ وعندما تذكرت ملامح روث الحلوى أرتعدت رغما عنها, أنها واثقة من أن روث لن تسعده حقيقة, لأنها تعتمد عليه أكثر مما يجب, مثل طفلة صغيرة, في حين أن بول يحتاج الى أمرأة تستطيع أن تقابله في منتصف الطريق , وتستطيع أن تتحدث اليه بقدر ما تستمع له.



وفجأة أدركت أنه يتأملها فاحمرت وجنتاها وحاولت أن تأخذ الأمور بمرح فقالت:
" أنك لا تتغير كثيرا يا بول".
بدا ساخرا وقال:
"أستطيع أن أعتبر هذا مديحا , يمكن أن يكون له معنيان ولكنني سآخذ المعنى الحسن!".
وشعرت كارن بالحرج مرة أخرى , ليتها لم تلق هذه الملاحظة السخيفة , لا بد أنه تصور أنها كانت تحاول أن تجعله يصرف أهتمامه عنها.
وسألها بول:
" أخبريني , هل رسمت لوحات أخرى؟".
هزت كارن رأسها بالنفي , فعبس بول وفاجأها قائلا:
" الواقع أنني فكرت كثيرا في رسومك هذا الأسبوع , وأود أن يقوم صديق لي بألقاء نظرة عليها , هل سمعت باسم آرون برنارد؟".
صاحت كارن مذهولة:
" أوه... أنه من أشهر وأبرع النقاد الفنيين في العالم".
رد بول برقة:
" تمما, ويهمه أيضا أكتشاف مواهب جديدة , وأعتقد أن لوحاتك سوف تبهره".
بدا الشك في عيني كارن , فقد تذكرت تعليقات لويس , وقالت:
" ولكن لويس يعرف كثيرا عن الفن يا بول , ولوحاتي لا تعجبه أطلاقا".
أجاب بول ببرود :
" صحيح ! يبدو أنك تثقين في رأيه أكثر من رأيي . أذا أردت رأيي أعتقد أن مارتن يركز أهمية كبرى على حكمه, من هو في أية حال؟ أنه مجرد مصمم نسيج وطموحه يفوق قدراته كثيرا".
" ليس هذا صحيحا يا بول, لقد ساعدني كثيرا ... منذ الطلاق!".
رد بول غاضبا:
" وقبله أيضا... طبعا... بحق السماء يا كارن لا تحاولي الدفاع عن الرجل... لا أجد شيئا أشكره عليه . أنني أبذل جهدي حتى أسيطر على أعصابي لمجرد أن أنظر اليه! أعتقد أنني أكرهه!".
تنهدت كارن وقالت:
" أستطيع أن أفهم كراهيتك له يا بول , ولكن اذا تكلمت بطريقة موضوعية بحتة , فأن لديه أفكارا جيدة في العادة".
هز بول كتفيه وقال:
" وكيف أستطيع أن أكون موضوعيا بالنسبة لرجل... حسنا... أغوى زوجتي !".
تحول وجه كارن ألى لون قرمزي وصاحت:
" مستحيل أن تعتقد أننا كنا عاشقين في يوم من الأيام , مستحيل يا بول".
أسود وجه بول على نحو كريه وقال:
" ولم لا؟ لقد طلقتك لذلك السبب... كان سبب طلاقنا هو خيانتك , هل تذكرين؟ واذا لم يكن هذا صحيحا فلماذا لم تدافعي عن نفسك في القضية؟".
عضت كارن شفتها وقالت:
"لو أنني دافعت , فماذا كنت أجني من دفاعي؟ هل كنت ستصدقني؟".
تمتم بحدة:
" في ذلك الوقت كنت سأقتنع بذرة واحدة من الأمل , لم أنك أظهرت رغبة في العودة الي ولو مرة واحدة لأختلف الوضع تماما".
شبكت كارن أصابعها , لماذا قال كل هذا ؟ كلامه جعل الوضع فظيعا , ووفر عليها الخادم الأجابة عندما جاء بالطلبات , ولكنها كانت قد فقدت شهيتها للطعام , ولم يبد بول بدوره اهتماما كبيرا بالأطباق الشهية, وعندما انصرف الخادم عاد بول يقول:
"هل نسيت أنني كنت مزودا بكل البراهين , لقد بدت الأدلة حاسمة , وقد زادت حسما بصمتك , وبصرف النظر عن أي شيء فقد أعترف مارتن نفسه بأنها صحيحة ... كل كلمة منها صحيحة".
عندئذ صاحت كارن غاضبة:
" هراء , لا يمكن أن يقول لويس مثل تلك الأشياء ... وحتى اذا كان قد قال , فكيف استطعت أن تتأكد من صحة كلامه؟".
قال بول بلهجة جافة:
" كان عندي محامي . هل تذكرين؟ وكانت القضية بسيطة وواضحة , لم يكن هناك ما يقال أكثر مما قيل , في أي حال فلننسى هذا الموضوع , ولا داعي لمناقشته أثناء العشاء".
ولكن كارن لم ترغب في نسيانه , أو في نسيان أية كلمة منه, كيف يمكن أن يعترف لويس بشيء من هذا القبيل في حين أنهما لم يكونا أكثر من مجرد صديقين ؟ وانتابتها الحيرة , كانت تعتقد أن لويس صديق مخلص أمين فأذا به... كاذب , يا له من خطر غريب مخيف! وأزاحت مثل هذه الأفكار عن ذهنها , لا بد أن هناك تفسيرا , لا بد أنه تصور أنه يساعدها بذلك , لعله قال أن الخطأ خطأه حتى يبرئها من كل لائمة! ومع ذلك ظلت كائرة مرتبكة , لم يكن أمامها شخص تلجأ اليه الا لويس! لم يكن هناك من تطلب منه النصح الا لويس , وقررت أن تناقش الموضوع مع لويس نفسه , من يدري لعله يقدم لها تفسيرا معقولا , لعل بول أخطأ فهم مقصده ... لعل كلامه تضمن شيئا أعتبره بول حقيقة لأنه كان يتوقعه , وراحت تفكر وتبحث عن قشة كما يقولون , فلا بد أن هناك سببا . يوجد سبب لكل شيء.

وساد الصمت فترة طويلة , ولم تتكلم الا عندما سألها بول قائلا:
" حسنا, هل تريدين أن يلقي آرون برنارد نظرة على لوحاتك؟".
أفاقت لورين من تفكيرها وصاحت:
" هل أريد؟ طبعا يا بول أتمنى أن يأتي , ولكن فقط اذا كنت تعتقد أنه لن يضيع وقته, فأنني لا أريد أن أسمعه يسخر منها لأن سخريته ستقضي على كل شيء , في حين أنني آمل أن أرسم شيئا ذا قيمة في يوم ما, أشعر بمتعة كبيرة في الرسم , فأذا قال لي أن استمراري في الرسم حماقة فسوف أشعر بحزن كبير , وفي الوقت الحاضر أشعر بهذا الأمل الغريب سأرسم شيئا قيَما في يوم من الأيام".
ابتسم بول وقال:
" أتمنى أن أكون واثقا من كل شيء قدر ثقتي من لوحاتك , ومع ذلك اذا لم تعجبه فسأشتريها أنا شخصيا ... كلها!".
ضاقت عينا كارن وسألته بتهكم:
" لبيتك الجديد؟".
نظر اليها مليا وقال:
" ربما... هل يدهشك هذا؟".
" لا بد أنك تمزح .... بالطبع يدهشني , لو كنت مكان روث لما رضيت أن أضع في منزلي أية لوحات بريشة أمرأة أخرى , وخاصة اذا كانت الرسامة زوجة سابقة لزوجي! أنه شيء مضحك ... أليس كذلك؟".
بدا وجه بول متوترا بعض الشيء ووافق قائلا:
" نعم, ولكنك مختلفة تماما عن روث يا كارن, ليست لديها شخصيتك المتسلطة, تحبين أن تتساوي بالرجال , في حين أن روث مستعدة لأن تظل الزوجة فقط, أنها ذكية وقادرة على سماع وفهم حديث زوجها , ورغم ذلك تظل مشغولة تماما ببيتها".
صاحت كارن باستياء:
" يا ألهي , أنها أذن من طراز ربة البيت الصغيرة, هل سترتق جواربك يا حبيبي , وتضع حذاءك بجوار المدفأة؟".
امتقع وجه بول , وأدركت كارن أنه غضب, ورد عليها قائلا:
" عل الأقل لن تحاول أن تبحث عن عمل ... أن روث لم تعمل أطلاقا ولذلك لن تفتقد العمل, صدقيني يا كارن, أن معظم النساء يحلو لهن أن يكُن زوجات وأمهات بمعنى الكلمة".
بدت كارن محرجة الآن, ولكنها قالت وهي تبتسم بدهاء:
"أعتقد من الطراز القديم يا حبيبي , أنت تريد زوجة ترتدي الثياب بالكرانيش والدانتيل , أنا أمرأة واقعية عادية , كما أنني أرتكبت أفظع الأخطاء عندما تجرأت بالرد عليك وتوقعت أن تستمع الي!".
كانت أصابع بول تقبض بشدة على كأس الشراب الرقيقة , وتعجبت كارن لأن الكأس لم تتحول الى حطام! وقال بول بهدوء مميت:
" أنك لم تردي عليَ فقط يا كارن... أنك تركتني . لا تنسي هذا ... لقد تركتني لمجرد أن تثبتي أنك مستقلة تماما كما تعودت دائما, لمجرد أن تثبتي أنك لا تكتفين بأن تكوني السيدة فريزر فقط".
أبعدت كارن طبق الفراولة الذي لم تلمسه , وقالت وهي تضحك بلا مرح:
" نعم... لقد فعلت هذا الأمر الذي يثبت أنه حتى أنا لا أخلو من الخطأ".
قال بول وقد تصلب وجهه:
" أنت لا تصدقين ذلك حقا, أعتقد أنه يسرك أن تهزأي بي! ".
بدت الدهشة على كارن وقالت:
" يسرني؟ أستطيع أن أؤكد لك أن تلك الحلقة في حياتي لم تكن أكثر ما علق في ذاكرتي".
وتغلب فضوله على تحفظه الطبيعي فسألها:
" أذن ما هو الشيء الذي علق بذاكرتك؟".
قالت وهي تنظر الى قهوتها التي بدأت تبرد :
" أعتقد أنه شهر العسل".
ولم يرد بول... ولكنه أخرج علبة سكائره وأشعل سيكارة في صمت.
وفجأة قالت كارن:
" أنه وضع يثير الضحك اذا فكرت فيه, ها نحن شخصان مطلقان نجلس هنا ونتناول العشاء معا, وكأننا كنا صديقين قديمين! يا ألهي يا لها من مسافة طويلة قطعتها الحضارة , يبدو أننا فقدنا كل العواطف البدائية في بوتقة الحياد أو اللياقة على الأصح... لم يعد هناك دماء حمراء ... لم يعد هناك الا هذا النوع من التسامح السطحي الذي حل محل العداء الصحي".
قال بول بابتسامة ساخرة:
" كلمات عميقة... هل ستستمر على هذه النغمة؟".
وفي طريق العودة ساد بينهما جو من التوتر , وعندما أوقف بول السيارة أمام عمارة كارن , نظرت اليه وقالت بمرح محاولة أن تعود الى جو المزاح اللطيف الذي بدأ به المساء:
" حسنا , أشكرك على كل ما فعلته لأمي ولساندرا, لقد أثبت أنك كريم حقا".
بدا صوتها ساخرا, ولكن وجه بول ظل جامدا , وفي الضوء الخافت تألق شعر كارن مثل الفضة فوق اللون العاجي لمعطفها الموهير, وعندما حركت رأيها , لمس الشعر الحريري كتف معطفه . أنها جميلة جدا... حلوة جدا... مثيرة جدا... وشعر بول بحواسه تتحرك بسرعة , ولكنه أحس بالمهانة عندما وجد نفسه يستجيب لها, وخاصة بعد كل ما قالته , وقال بحدة:
" تصبحين على خير".
كانت يداه النحيلتان تضغطان على عجلة القيادة حتى أبيضت مفاصلهما ولم يكن يعرف الى متى يستطيع السيطرة على نفسه.
ولم تفهم كارن فهزت كتفيها وفتحت باب السيارة وقالت وهي تخرج :
" تصبح على خير".
... ولم يتكلم بول ثانية , هز رأسه فقط وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة حتى كادت العجلة الخلفية تلف من شدة السرعة , ورأته كارن ينعطف الى الشارع الرئيسي قبل أن تدخل العمارة , وشعرت بأنها وحيدة باردة خائفة من المستقبل , ولكنها لم تعرف ما الذي أثار خوفها!

http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 01:09 AM
6- لا تكوني مضحكة
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
مر الأسبوع التالي ببطء , واتصلت أم كارن تلفونيا لتقول أن ساندرا قبلت فكرة السفر رغم أنها لم تبد حماسا كبيرا , ولم تشعر كارن بالقلق, لأنها كانت واثقة من أن ساندرا ستعود الى طبيعتها اذا ابتعدت عن تأثير سيمون , وفكرت كارن, لقد بدت الحلقة وكأنها على وشك أن تنتهي , فبعد أن تسافر مادلين وساندرا الى أسبانيا لن تحتاج الى مقابلة بول , كان زواجه في أي حال يلوح في الأفق ويقترب يوما بعد يوم.
وذهبت الى المكتب آملة أن يكون لويس قد عاد الى سلوكه العادي اللطيف , ولكنها لاحظت أنه لا يزال على وضعه الغريب , ولم تستطع كارن أن تفهمه , لعل ذهنها المشتت هو الذي صور لها أن لويس أصبح مختلفا ... ولكنها بدأت تفكر جديا في البحث عن وظيفة أخرى.
وفي نهاية الأسبوع أستيقظت صباحا على رنين التلفون, ألقت نظرة على الساعة فوجدتها السابعة والربع, ترى من الذي يطلبها في هذه الساعة المبكرة , وأخذت تهز رأسها لتطرد النوم من عينيها , ونهضت من فراشها وذهبت لترد , وعندما رفعت السماعة سمعت صوت أمها تقول:
" أخيرا وجدتك يا كارن!".
" ماذا حدث يا أمي؟ هل تعرفين كم الساعة الآن؟".
" نعم, أعرف , الأمر هام جدا".
ومرت فترة صمت, فسمعت كارن صوت أمها وهي تجهش بالبكاء!
فقالت في فزع:
" ماذا حدث؟ هل أصيبت ساندرا بسوء؟".
أجابت مادلين بصوت متقطع :
" أسوأ من هذا , لقد هربت وتركت لي رسالة تقول أنها حامل... والأب طبعا هو سيمون !".
ألقت كارن بنفسها على المقعد بجانب التلفون وصرخت:
" يا ألهي , أهدأي يا أمي وسوف أحضر فورا".
ووضعت مادلين السماعة, وتنهدت كارن وقد أنتابها شعور بالخوف, طفل؟ ما الذي تستطيع أن تفعله الآن؟ أن سيمون لن يفرج بالنبأ مهما كان شعوره نحو ساندرا , كان يفضل الحرية على كل شيء آخر , في حين أن الأطفال تعني المسؤولية, وغيرت كارن ملابسها وقادت سيارتها الى منزل أمها , وعندما رأت كارن أجهشت بالبكاء, فقالت كارن محاولة أن تهدىء من روع أمها :
" ماذا حدث؟".
عضت الأم شفتها وحاولت السيطرة على أعصابها , وقالت:
" عندما أخبرت ساندرا بموضوع الرحلة, وافقت لكنها لم تكن متحمسة , كان واضحا أنها تخطط للهرب , وأعتقد أن هذا الحيوان سيمون كان يعرف كل شيء عن خطتها , لقد شعرت ساندرا بأننا نحاول أبعادها عنه".
ومرة أخرى أجهشت بالبكاء , وبعد فترة استطردت تقول:
" لقد تصادف أنني استيقظت في الساعة الخامسة والنصف وأنا أشعر بصداع مؤلم , وذهبت الى غرفة ساندرا أبحث عن قرص من الأسبرين , فوجدت فراشها خاويا , والورقة التي تركتها مشبوكة في وسادتها".
تنهدت كارن وسألت أمها:
" وهل أخذت ملابسها ؟".
" أخذت بعضها".
" واذا فعلت عندما وجدت الرسالة؟".
" أتصلت بك , ولكنني لم أحصل على رد ... وأعتقدت أنك خرجت".
وتذكرت كارن الحبة المنومة , وقالت:
" آسفة يا أمي , لا بد أنني كنت مستغرقة في النوم".
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg
وناولتها أمها رسالة ساندرا فقرأتها :
" أمي العزيزة ....
لقد أصبحت حياتي هنا لا تطاق , أنك وكارن مصممتان على أن تفرقا بيني وبين الرجل الذي أحبه , وأنا لا أحتمل هذا, أنني أنتظر طفل سيمون , وسوف نتزوج بسرعة عندما يستطيع أن يطلق هذه الجوليا اللعينة , ى تحاولا أن تبحثا عني, سأعود عندما تدركان أنني على صواب".
وعندما فرغت كارن من قراءة الرسالة أخبرتها أمها أن ساندرا أخذت دفتر توفيرها , وكان به خمسة وسبعون جنيها , وقالت كارن بلهجة حادة:
" لا تلومي الا نفسك يا أمي...".
مسحت مادلين عينيها وردت:
" هل أتيت لتساعديني أم لتعذبيني؟".
" لأساعدك بالطبع , ولا داعي للشجار يا أمي... لا أريدك فقط أن تتصوري أن ساندرا فتاة مسكينة صغيرة في حين أنها بنت مدللة طائشة وتحتاج الى يد قوية, في أي حال أهدئي يا أمي , يجب أن نفعل شيئا".
نظرت اليها أمها ثم قالت:
" اتصلي ببول وأخبريه".
كانت كارن تعرف في قرارة نفسها أن بول هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يساعدهما فقالت ببطء:
" أعتقد أن هذا هو الحل السليم الوحيد... ولكن ألا تعتقدين أننا نثقل عليه؟".
نهضت الأم من مكانها وقالت في كبرياء:
" ولكن أخاه هو سبب هذه المشكلة".
وتنهدت كارن وسارت نحو التلفون , وأدارت رقم شقة بول في بلجرافيا وقالت:
" أنا كارن يا بول!".
صاح بول بصوت مبحوح , وكان واضحا أنه لا يزال نائما :
" يا ألهي ... كارن؟ كم الساعة الآن؟".
" أنه أمر هام .... ولا بد أن أراك الآن الا أذا فضلت أن أروي لك كل شيء على التلفون ".
" لا .... لا ... سأراك ... أين أنت؟".
" في منزل أمي , هل تستطيع أن تأتي؟".
" أفضا أن تأتي أنت يا كارن الى هنا ... عندما تصلين سأكون قد حلقت وارتديت ثيابي".
ووافقت كارن , وأخبرت أمها أنها ستذهب الى بول في شقته , وعلقت السيدة ستاسي في شك على ذلك قائلة:
" أرج ألا تنسي السبب الذي تذهبين من أجله الى شقته!".
وفهمت كارن ما تعنيه أمها , فقالت غاضبة:
" يجب أن تتذكري أنك أنت السبب في ذهابي الى هناك يا أمي!".
وارتدت كارن معطفها , وغادرت منزل أمها , وقادت سيارتها بسرعة الى شقة بول... كانت الطريق قد بدأت تزدحم بالمرور فتعطلت قليلا, ووصلت الى المبنى الذي يقيم فيه بول في الساعة التاسعة الا الثلث, ودخلت الى المصعد , وضغطت زر الطابق العلوي حيث تقع شقة بول, كانت الشقة تطل على مدينة لندن من أعلى , وتذكرت أنها وبول كانا يقضيان الليل في الشقة عندما يسهران في المدينة, وارتجفت رغما عنها وهي تدق الجرس وتنتظر , وفتح الباب خادم لا تعرفه , لا بد أن بول استغنى عن طاقم الخدم القديم , واستبدل به طاقما جديدا, ودخلت كارن الى غرفة الجلوس , واتجهت نحو النافذة العريضة التي كادت تشغل كل الحائط , كانت تطل على نفس المنظر الذي بهرها , كان صخب لندن يتحول الى همس من هذا الأرتفاع الشاهق , وأخبرها الخادم أن السيد فريزر في الحمام سيخرج حالا ثم أنصرف , وراحت كارن تجول في الغرفة وتنظر الى الأثاث وهي سعيدة , كانت الجدران مغطاة بصور للنرويج أحضرها بول حسب رغبتها بعد أن قضيا أجازة هناك , وكانت الغرفة مزودة بتدفئة مركزية , كان المكان كله مليئا بذكريات أختزنتها كارن في قلبها.
وجلست على مقعد وأشعلت سيكارة وشعرت بالراحة , وعندما دخنت سيكارتها نهضت من مكانها واتجهت الى الباب الذي يؤدي الى غرفة نوم بول, أرادت أن تعرف اذا كان قد غير مظهر الغرفة , لأنها غرفة نومهما , كانت الغرفة أنيقة نظيفة مفروشة بالسجادة الناعمة نفسها وتفوح برائحة الدخان مما يدل على عدم وجود أمرأة في الشقة , وفتحت كارن النافذة على مصراعيها ورأت الحدائق تمتلىء بالزهور , وتنهدت في آسف , يا لها من حياة غريبة ... أم هو القدر المحتوم!
منذ أسابيع قليلة فقط لم تكن تحلم بأن تتحدث الى بول مرة أخرى , لقد تصورت أن كل شيء قد أنتهى , وها هي اليوم واقفة في شقته, في غرفة نومه, وابتسمت , كم من أحداث غريبة تقع! بل أن هذا الموضوع بالذات كله يبدو أغرب من القصص والروايات
قال بول بقسوة:
"أضيق فقط بالزوجات الخاطئات".
ارتجفت طارن... هناك دائما العامل الشخصي بينهما , وكان قريبا جدا من السطح بحيث يطفو في أية مناسبة , وردت عليه قائلة:
" وماذا عن الأزواج القساة؟".
سألها بتهكم:
" وهل كنت قاسيا ؟ لا أطن".
" أنك تفكر دائما من الزاوية العاطفية ".
" وما هي الزاوية الأخرى؟".
" أنني أنسانة ولست قطعة أساس , هل كنت تريدني أن أفقد شخصيتي في شخصيتك؟".
" لا ... لنفرض أنني كنت مخطئا بقدر ما كنت مخطئة , ماذا نجني من هذا؟".
تمتمت وهي تلهث فجأة:
" هذا يتوقف عليك....".
ركَز بول نظراته عليها ... وفجأة دق جرس الباب , وشعرت كارن بأمتئاب فظيع . وعبس بول قائلا بغضب:
" ترى من يكون هذا؟".
قالت كارن وهي تفكر:
" ربما يكون سيمون... سأفتح الباب".
سارت كارن بسرعة نحو الباب وفتحته , وفي الحال أنتشر عطر مثير ملأ أنفها... واذا بها أمام فتاة قصيرة سوداء الشعر , ترتدي معطفا ثمينا من الفراء , وقبعة فيها ريش وردي , وحذاء أنيقا , كانت روث!
وتعرفت عليها كارن في الحال, وشعرت بشيء من الخجل من ثيابها المتواضعة اذا قورنت بملابسها الثمينة , وبدا الغضب على وجه روث عندما تعرفت هي أيضا على كارن , على أن بول أضطرب قليلا عندما دخلت خطيبته الغرفة بعد أن رمت كارن بنظرة قاتلة.
وأغلقت كارن الباب واستندت عليه , وهي تشعر بالفخر لثقة بول الفائقة في نفسه, وأيقنت كارن أنها لو كانت مكان روث لأحترقت غضبا مثلها, ووقفت روث وسط غرفة الجلوس , وراحت تحدق في بول بغضب ثم قالت ببرود:
"لا بد أن هناك تفسيرا لهذا! ويهمني أن أسمعه , يبدو أنني عدت في لحظة غير مناسبة".
هز بول كتفيه العريضتين وقال:
" لماذا تتصورين ذلك؟ كلا ... يا روث.... لقد حضرت كارن الى هنا لسبب مشروع جدا . أن الأشياء ليست في حقيقتها كما تبدو من الظاهر دائما...".
اتسعت عينا كارن , والتفتت روث ونظرت الى كارن باحتقار , ثم قالت بلهجة وقحة:
"يبدو أنك تتذرعي بأسباب لا حصر لها لتطاردي بول بعد أن أنفصلت عنه!".
احمر وجه كارن, قال بول:
" أن هذا الموضوع لا يمت لك بصلة يا روث".
قاطعته كارن قائلة:
" لا تزعج نفسك يا بول, باستطاعتي أن أحارب معاركي بنفسي, خطيبتك الفاتنة تثبت ببساطة أنها تشك فيك, ومن الواضح أنها تريد أن تعتقد أننا نسيء التصرف".
ردت روث عليها:
" أنك تودين أن ننفصل يا آنسة ستاسي , لقد أرتكبت غلطة كبيرة عندما سمحت لبول بأن يطلقك".
وعندئذ تدخل بول وقال بهدوء:
" أن أخت كارن حامل, وقد هربت من البيت".
قالت روث:
" يا له من شيء مقزز, لا بد أنها....".
قاطعتها كارن بغضب قائلة:
" أن أختي ليست ساقطة , فهي تتصور أنها تحب سيمون !".
قالت روث :
" ألم يكن في أستطاعتك أن تتحدثي تلفونيا؟".
رد بول:
" أنا الذي طلبت منها أن تحضر".
خلعت روث قفازها , وقالت وهي تنظر الى كارن باحتقار:
" أنني واثقة أنها طاردت سيمون المسكين".
وكان هذا أكثر مما تحملته كارن, كان سيمون معروفا بطيشه وحماقته, ولا بد أن روث نفسها تعرف هذا , ولكنها كانت تتعمد مضايقة كارن , لقد أحتقرتها بشدة عندما فتحت لها الباب , ولكنها كانت تنتقد الآن ساندرا التي لم ترها في حياتها , وهذا أمر مختلف .
ردت كارن عليها على نحو متهور:
"لعلك تعتقدين أن كل أسرتنا هكذا يا آنسة ديلاني, لقد تغيبت بضعة أيام , وعندما عدت وجدتني في شقة بول , وقد تناولت الأفطار معه , ما معنى هذا؟ وماذا أبدو في نظرك؟.
صاحت روث في هلع:
" بول...".
نظر بول الى كارن بعينين متوسلتين , ولكنها مضت تقول بلا أكتراث:
" لا تقلق يا بول, لن أختلق أية حكايات , دع خطيبتك تكوَن رأيهابنفسها عن الموضوع , واذا خرجت بالفكرة الخاطئة فأنك تستحق هذا على ما أعتقد , لأنك تسرعت وقفزت الى نتائج خاطئة وظلمتني منذ سنتين , أليس كذلك؟".
وزمت كارن شفتيها , وفجأة شعرت وكأنها طفلة مدللة تحاول تبرير حماقتها , وبدون أن تنطق بكلمة واحدة أخرى , أخذت معطفها وخرجت من الشقة , وصفقت الباب خلفها , وسمعت بول يصيح كارن, ولكنها لم تتوقف.
وبعد انصراف كارن ساد صمت رهيب لعدة دقائق, كانت كل كلمة قالتها كارن تطن في رأس بول , ولم يستطع أن يخلص نفسه من الشعور بأنه أخطأ في حقها , وعودة روث لم تخرجه من عواطفه المشوشة كما كان يتصور , بالعكس لقد تضايق لأنها قطعت حديثه مع زوجته السابقة
وقالت روث:
" حسنا يا بول... يبدو أنك لست سعيدا برؤيتي".
ضم بول قبضتيه ورد عليها نافذ الصبر:
" لا تكوني مضحكة يا روث, لقد عدت بدون أعلامي".
هزت روث رأسها وقالت ساخرة:
" هذا واضح...".
وقطب بول جبينه , وعندما أحست روث أنها تمادت أكثر مما ينبغي سارت نحوه وهي تقول:
" لا تقلق يا حبيبي , أن روث تثق فيك".
حاول بول أن يخفي شعوره بالضيق من لمستها وسألها:
" هل حضر أبواك معك؟".
" نعم, وذهبا الى الفندق , والواقع أنني أردت أن أفاجئك يا حبيبي".
هز بول كتفيه وقال:
"لقد فاجأتني بالتأكيد, في أية حال هل قمت برحلة طيبة ؟".
وبدأت روث تحدثه عن رحلتها , وحاول بول أن يركز... ها هي ذي روث خطيبته , الفتاة التي قرر أن يتزوجها , لماذا بدت الفكرة كئيبة الآن؟ لماذا شعر بالضيق والتوتر بينما أراد أن يكون طبيعيا؟ عليه أن يشرح الموقف لروث, ويخبرها أن كارن كانت غاضبة , وأنها شعرت بالأهانة , وأن كل ما قالته كان مجرد تحد ولكن الكلمات لم تسعفه, أفكاره لا تزال مع كارن! وتذكر منظرها قبل أن تنصرف , لقد بدت ضائعة ضعيفة , بدون أحد يدافع عنها رغم كلماتها الشجاعة , تصرفت على نحو متهور مستقل , ومع ذلك كان متأكدا من أنها لم تكن تشعر بأنها قوية ولا مستقلة , لقد بدأت كلماتها تعني شيئا له , ووجد نفسه يميل الى تصديقها في كل شيء . زكان هذا وحده كافيا لأزعاجه , اذا كانت تقول الصدق , واذا كان مارتن كاذبا , فمعنى هذا أن الأحتمالات هائلة اذن.
وعندما نظر الى وجه خطيبته القلق تساءل لأول مرة , ترى هل يستطيع أن يعيش مع أمرأة أخرى قبل أن يتزوج كارن كان يعجب بالنساء من الناحية الشكلية فقط, وليس من الناحية الذهنية , وكان لا يزال يلملم جراحه عندما دخلت روث حياته, وتصور أنها تستطيع أخراجه من عزلته , أما الآن فبدأ يشك في قدرة روث على أمداده بما يحتاج اليه من سعادة وراحة, كان زواجه من كارن بهيجا مريحا ,,, كارن... كارن... كارن... ذهنه يطن بذكراها , فيئس من أبعادها عن فكره, لو أنها لم تظهر من جديد في حياته لتزوج روث وعاش معها هادئا بدون هذا العذاب, أما الآن فأن فكرة الزواج من روث لم تعد تروق له.
وروعه التغير الذي طرأ على ذهنه , الواقع أن كارن هي التي أثارت كل هذا , هي التي جعلته يضيق ببيئته التي اختارها وزوجته التي أنتقاها , كارن أكثر من مجرد زوجة وربة بيت .... وقد تركته محطما.
وأدرك أن روث تحدق فيه بضيق فبدا بعيدا عنها بأفكاره وأستطاعت من تعبي وجهه معرفة أنه لم يستمع الى كلمة واحدة مما قالت, وسألته محاولة أن تبدو هادئة رغم أن الغضب كان يمزقها أربا :
" ما الذي تفكر فيه يا حبيبي؟".
جمع بول شتات أفكاره:
" آسف يا روث... ماذا كنت تقولين؟".
" كنت أسألك ماذا ستفعل بخصوص ساندرا؟".
قطب بول وجهه, ففي خضم أفكاره المؤلمة نسي كل شيء تقريبا عن مشكلة ساندرا وسيمون , وتمتم قائلا:
" عن أذنك لحظة يا روث... أريد أن أجري محادثة تلفونية".
جلس لويس مارتن أمام مكتبه يحملق بلا أهتمام في التصميم الموضوع على المكتب , لقد فقد أهتمامه بعمله مؤخرا , وتركزت أفكاره على كارن وبول , الواقع أنه ساعد كارن على الطلاق لأسباب شخصية بحتة, فقد أعجب بها كثيرا ورغم أن علاقتهما ظلت علاقة عمل , الا أنه كان مقتنعا بأنه لن يمر وقت طويل حتى تدرك أنه سيكون زوجا طيبا لها.
زوجته الأولى أمرأة باردة بلا مشاعر , وشعر بالراحة عندما ماتت , وحين قابل كارن الجذابة المليئة بالحيوية , أسرته فورا وقرر أن يتزوجها , ولذلك شعر بعذاب أليم خلال الأسابيع القليلة الماضية , وعندما علم أنها تلتقي ببول ثانية, اضطربت عواطفه ووجد نفسه ينزوي في عزلة كئيبة, وضايقه أكثر أنه وجد بول وكارن في الشقة , الشقة نفسها التي استأجرتها كارن منه ... وبدون أن يفكر أن كارن لا تدين له بشيء , بدأ يعتبر موقفها نحوه موقف خيانة , بل شعر وكأنه زوج مخدوع ! لم يحاول أن يتوقف ويفكر في غرابة هذا الوضع, ولكنه أدرك مؤخرا أن كارن غيرت موقفها اتجاهه , فلم تعد تلجأ اليه لتطلب النصيحة , ولم تعد تدعوه لزيارتها في شقتها كما تعودت أن تفعل في الماضي ... كان غيورا بطريقة عنيفة مؤلمة . أما أن كارن تعمدت أن تغيظه أما أنها لم تكن تدري أو تعبأ بمشاعره , وبذهنه المشوش تصور أنها تتعمد أغاظته!
وعندما رن جرس التلفون رفع السماعة بلهفة , من يدري لعل المتحدث كارن! وسمع صوتا نسائيا يقول بلهجة أميركية:
" هل أنت السيد لويس مارتن؟".
"نعم, هل أستطيع مساعدتك؟".
" ربما يستطيع كل منا مساعدة الآخر . أنا روث ديلاني , هل هذا يكفي؟".
" ماذا تريدين؟".
" عندي أخبار لن تسرك , لقد فسخ بول خطبته لي هذا الصباح , هل يهمك هذا؟".
شعر لويس بقلبه يخفق بشدة , ما معنى أن يفسخ بول خطبته؟ لا يوجد الا سبب واحد لهذا....
وقال:
" يهمني جدا يا آنسة ديلاني , هل نستطيع أن نتقابل لتناول الغداء مثلا؟".
ردت بسرعة:
" أذا شئت, أين؟".
حدد لويس الوقت والمطعم... لقد فهم بوضوح لماذا أتصلت به روث , كانت لها مصلحة في ذلك, فهي تريد بول, وتعرف أن لويس هو الذي أتهمه بول بالخيانة مع كارن في قضية الطلاق , معنى هذا أنه و روث كانا في وضعين متشابهين , ويمكن أن يساعد كل منهما الآخر!
ومع ذلك أخذ يفكر... ما الذي يستطيع أن يفعله اذا رفضت كارن الزواج منه؟
وشعر بحرارته ترتفع, فمشاعره نحو كارن أشبه بنار تحترق في عروقه وتكاد تقضي عليه , لا بد أن يواجهها ... لا يستطيع أن يستمر هكذا الى ما لا نهاية.
ونهض من مكانه وسار نحو النافذة , وعندما نظر الى الشارع شعر برغبة قوية لفتح الشباك والقفز منه ! ما هذا الجنون الذي انتابه ؟ لماذا لم تظل حياته سائرة كما كانت , فتأتي كارن الى المكتب بانتظام , ويجدها في شقتها كلما أراد أن يتصل بها تلفونيا , كانت لعبة سباق مع الزمن, ولم يعد يرغب في الأستمرار , وأشعل سيكارة بأصابع مرتجفة , لم يكن يحلم أنه سيحب أمرأة الى هذا الحد . أما الآن وبعد أن أحب كارن فعلا فقد بدأ يشعر بالغثيان ! لا بد أن يقابل هذه المرأة روث ويوضح لها وضعه أيضا , لا بد أن تعرف أنه يريد كارن بأي ثمن , ثم... بعد ذلك... لا بد أن يقابل كارن نفسها, قبل أن يفوت الأوان!



http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg









وفجأة فتح باب الحمام ودخل بول غرفة النوم , وقفزت كارن فزعة, وكأنها طفلة صغيرة ضبطت وهي تأخذ قطعة حلوى من الصندوق الممنوع , كان يرتدي ملابسه الداخلية ويلف عنقه بمنشفة, واحمر وجه كارن وشعرت بحرج شديد , ترى كيف سيفسر هذا؟ يا لها من حمقاء ! ونظر اليها متفرسا بعينيه الداكنتين , ولم تند عليه الدهشة لأنه رآها وقال بعد لحظة:
" آسف لأني لم أكن في أنتظارك عندما وصلت , كنت أعمل حتى ساعة متأخرة في الليلة الماضية".
نسيت كارن كل شيء عن ساندرا وأمها عندما رأته , وبدأ بول يرتدي ملابسه , فعادت الى غرفة الجلوس , بدا كل شيء طبيعيا تماما كما كان يحدث كل يوم عندما كانا متزوجين . ولحق بها بول وأشعلت كارن سيكارة ثم قالت:
" لقد هربت ساندرا من البيت . وتقول أنها حامل , ويمكنك أن تخمن من يكون الأب!".
بدا الغضب واضحا على وجه بول , لم يكن يحلم أطلاقا أن سيمون يمكن أن يتمادى الى هذا الحد مع فتاة دون العشرين , وشعر كأنه يستطيع أن يخنق أخاه في هذه اللحظة , وأشعل سيكارة وأخذ يدخنها في قلق! فقالت كارن معتذرة:
" آسفة يا بول , ولكنني لم أجد شخصا غيرك ألجأ اليه ".
هز بول رأسه وقال:
" أن سيمون هو الملوم في هذه الحالة , يا له من أحمق , وساندرا أيضا لا بد أنها مجنونة!".
وناولته كارن رسالة ساندرا ليتضح له كل شيء , وقرأها بول بسرعة ثم قال:
" يا ألهي... أنها تصدق أنه يعتزم الأنفصال عن جوليا , لقد قال لي منذ أيام فقط أنه ليس في نيته أن يطلقها".
" هل تعتقد أنه كان يقابل ساندرا سرا؟".
" لقد أرسلت سيمون الى توتنغهام في عطلة نهاية الأسبوع الماضي ولم يعد الا أمس فقط".
" وهل تعتقد أنها اتصلت بسيمون أمس عندما عاد؟".
" هذا احتمال بعيد".
" وما الذي سنفعله الآن؟".
" يجب أن نعثر على ساندرا أولا , وسوف أتحدث اليها بنفسي".
" ولكن كيف نعثر عليها؟".
" سوف أتصل بسيمون وأسأله اذا كان يعرف مكانها, يحتمل أن تكون قد أخبرته".
وفي هذه اللحظة دخل الخادم بصينية عليها فناجين القهوة, وطلب منه بول أن يعد له ولكارن طعام الأفطار , وانصرف الخادم بأدب , فسألت كارن في دهشة:
" هل سأتناول الأفطار هنا؟".
" بالطبع, لم لا, أنك تبدين شاحبة بما فيه الكفاية".
" أشعر بالجوع فعلا, أننا نبدو كما كنا في سالف الأيام! نتناول الأفطار معا!".
كانت كارن تثق في بول وتعتمد عليه , كأ ن بول أصبح بمثابة الأب الروحي لها ولأسرتها , وتمنت لو أستطاعت أن تشرح له بمشاعرها , ونظر اليها بول وسألها:
" هل تجدين الأشياء هي نفسها هنا كما كانت من قبل؟".
" نعم, ولا أزال أعتقد أن الشقة رائعة".
" ولماذا دخلت غرفة النوم؟".
احمر وجه كارن وقالت مدافعة عن نفسها :
" لقد أنتابني الفضول, وأردت أن أجدد ذكرياتي".
" وهل كانت ذكريات سارة؟".
تمتمت قائلة:
" بالطبع".
" في بعض الأحيان تكونين شفافة جدا".
"ماذا تقصد؟".
"لا شيء... أنسي ما قلته!".
ولكن كارن لم تستطع أن تنسى بسهولة , وبدت قلقة مضطربة ... وتمنت الا تكون قد أتاحت له فرصة للنقد".
ودخل الخادم يحمل الأفطار , وجلسا حول المائدة... والتهم بول طعامه , أما كارن قد اكتفت بشرب القهوة وتناول قطعة من الخبز المقدد , وفجأة سألته:
" متى تعود روث من أميركا؟".
" بعد يوم أو يومين, عندما أتصلت بي تلفونيا قالت أنها ستعود قريبا , وأنها ستبرق بموعد وصولها , ولكنها لم تتصل بي ثانية".
" لا بد أنك مشتاق لعودتها".
رد باقتضاب:
" نعم".
وبعد أن فرغا من تناول طعام الأفطار قال بول فجأة:
" نسيت أن أخبرك أن أرون برنارد يريد رؤية لوحاتك , لقد حاولت أن أتصل بك تلفونيا في الليلة الماضية ولكنني لم أجدك".
وتذكرت كارن الحبة المنومة فقالت:
" لقد أخذت حبة منومة , ولا بد أنني استغرقت في النوم".
" ولماذا تأخذين حبوبا منومة؟".
"حتى لا أظل ساهرة!".
" اذا كنت لا تستطيعين النوم, فلا بد أن شيئا يشغل ذهنك".
" هل تكتب في ركن القلوب المحطمة في الصحف؟".
قال بول بلهجة جادة:
" لا أحب أن تأخذي مثل هذه الحبوب يا كارن , سوف تألفينها وتعتمدين عليها تماما".
قالت وهي تحاول أن تغير موضوع الحديث:
" فلنعد الى موضوع آرون برنارد , متى يريد رؤية اللوحات؟".
"الواقع أنه يود رؤيتها اليوم, وهذا هو سبب اتصالي بك في الليلة الماضية".
" ولكن هذه الضجة بالنسبة لساندرا وسيمون , ومشكلة حملها ؟".
عندئذ قال بول:
" حتى اذا كانت حاملا , فهي ليست أول فتاة يحدث لها هذا".
" أذن , هل تعني أن هناك شكا في هذا؟".
" محتمل جدا , يمكن أن يكون زعم ساندرا مجرد أنذار كاذب , ولذلك سوف أتصل بآرون ليرى الرسوم في المساء , ومن يدري؟ لعلنا نكون قد وصلنا الى كشف لغز ساندرا هذا ".
تنهدت كارن وهي تقول:
" معك حق... أشكرك يا بول. يجب أن أنصرف الآن والا قلقت علي أمي".
" أنك تفعلين ما طلبته منك....".
" حسنا.... دعني أتصل بها تلفونيا".
"سأتصل بها أنا حتى تقول لي ما تريده".
وأمسك سماعة التلفون وأدار رقم السيدة ستاسي وأنتظر أن ترد, وشعرت مادلين بالسعادة عندما حدثها بول, فقد أثبت بذلك أنه يعالج الموضوع بكل جدية , كانت مادلين تحتاج دائما الى أحد تعتمد عليه , وطلب منها بول أن تهدأ وتنام قليلا, اذا كانت لا تزال تشعر بالقلق , وأنهما هو وكارن سيبحثان عن ساندرا حتى يجداها ويعودا بها الى البيت , كان لبقا بطريقة ساحرة , وأيقنت كارن أن كلماته طمأنت أمها الى حد كبير, وعندما انتهى بول من المحادثة التلفونية , وضع السماعة والتفت الى كارن وقال:
" كانت لطيفة جدت".
" لأنها تحبك, على فكرة, أنك تتحدث عن محاولة العثور على ساندرا وكأنه أمر سهل .... ألا تضيق بشيء؟".
قال بول بقسوة:
"أضيق فقط بالزوجات الخاطئات".
ارتجفت طارن... هناك دائما العامل الشخصي بينهما , وكان قريبا جدا من السطح بحيث يطفو في أية مناسبة , وردت عليه قائلة:
" وماذا عن الأزواج القساة؟".
سألها بتهكم:
" وهل كنت قاسيا ؟ لا أطن".
" أنك تفكر دائما من الزاوية العاطفية ".
" وما هي الزاوية الأخرى؟".
" أنني أنسانة ولست قطعة أساس , هل كنت تريدني أن أفقد شخصيتي في شخصيتك؟".
" لا ... لنفرض أنني كنت مخطئا بقدر ما كنت مخطئة , ماذا نجني من هذا؟".
تمتمت وهي تلهث فجأة:
" هذا يتوقف عليك....".
ركَز بول نظراته عليها ... وفجأة دق جرس الباب , وشعرت كارن بأمتئاب فظيع . وعبس بول قائلا بغضب:
" ترى من يكون هذا؟".
قالت كارن وهي تفكر:
" ربما يكون سيمون... سأفتح الباب".
سارت كارن بسرعة نحو الباب وفتحته , وفي الحال أنتشر عطر مثير ملأ أنفها... واذا بها أمام فتاة قصيرة سوداء الشعر , ترتدي معطفا ثمينا من الفراء , وقبعة فيها ريش وردي , وحذاء أنيقا , كانت روث!
وتعرفت عليها كارن في الحال, وشعرت بشيء من الخجل من ثيابها المتواضعة اذا قورنت بملابسها الثمينة , وبدا الغضب على وجه روث عندما تعرفت هي أيضا على كارن , على أن بول أضطرب قليلا عندما دخلت خطيبته الغرفة بعد أن رمت كارن بنظرة قاتلة.
وأغلقت كارن الباب واستندت عليه , وهي تشعر بالفخر لثقة بول الفائقة في نفسه, وأيقنت كارن أنها لو كانت مكان روث لأحترقت غضبا مثلها, ووقفت روث وسط غرفة الجلوس , وراحت تحدق في بول بغضب ثم قالت ببرود:
"لا بد أن هناك تفسيرا لهذا! ويهمني أن أسمعه , يبدو أنني عدت في لحظة غير مناسبة".
هز بول كتفيه العريضتين وقال:
" لماذا تتصورين ذلك؟ كلا ... يا روث.... لقد حضرت كارن الى هنا لسبب مشروع جدا . أن الأشياء ليست في حقيقتها كما تبدو من الظاهر دائما...".
اتسعت عينا كارن , والتفتت روث ونظرت الى كارن باحتقار , ثم قالت بلهجة وقحة:
"يبدو أنك تتذرعي بأسباب لا حصر لها لتطاردي بول بعد أن أنفصلت عنه!".
احمر وجه كارن, قال بول:
" أن هذا الموضوع لا يمت لك بصلة يا روث".
قاطعته كارن قائلة:
" لا تزعج نفسك يا بول, باستطاعتي أن أحارب معاركي بنفسي, خطيبتك الفاتنة تثبت ببساطة أنها تشك فيك, ومن الواضح أنها تريد أن تعتقد أننا نسيء التصرف".
ردت روث عليها:
" أنك تودين أن ننفصل يا آنسة ستاسي , لقد أرتكبت غلطة كبيرة عندما سمحت لبول بأن يطلقك".
وعندئذ تدخل بول وقال بهدوء:
" أن أخت كارن حامل, وقد هربت من البيت".
قالت روث:
" يا له من شيء مقزز, لا بد أنها....".
قاطعتها كارن بغضب قائلة:
" أن أختي ليست ساقطة , فهي تتصور أنها تحب سيمون !".
قالت روث :
" ألم يكن في أستطاعتك أن تتحدثي تلفونيا؟".
رد بول:
" أنا الذي طلبت منها أن تحضر".
خلعت روث قفازها , وقالت وهي تنظر الى كارن باحتقار:
" أنني واثقة أنها طاردت سيمون المسكين".
وكان هذا أكثر مما تحملته كارن, كان سيمون معروفا بطيشه وحماقته, ولا بد أن روث نفسها تعرف هذا , ولكنها كانت تتعمد مضايقة كارن , لقد أحتقرتها بشدة عندما فتحت لها الباب , ولكنها كانت تنتقد الآن ساندرا التي لم ترها في حياتها , وهذا أمر مختلف .
ردت كارن عليها على نحو متهور:
"لعلك تعتقدين أن كل أسرتنا هكذا يا آنسة ديلاني, لقد تغيبت بضعة أيام , وعندما عدت وجدتني في شقة بول , وقد تناولت الأفطار معه , ما معنى هذا؟ وماذا أبدو في نظرك؟.
صاحت روث في هلع:
" بول...".
نظر بول الى كارن بعينين متوسلتين , ولكنها مضت تقول بلا أكتراث:
" لا تقلق يا بول, لن أختلق أية حكايات , دع خطيبتك تكوَن رأيهابنفسها عن الموضوع , واذا خرجت بالفكرة الخاطئة فأنك تستحق هذا على ما أعتقد , لأنك تسرعت وقفزت الى نتائج خاطئة وظلمتني منذ سنتين , أليس كذلك؟".
وزمت كارن شفتيها , وفجأة شعرت وكأنها طفلة مدللة تحاول تبرير حماقتها , وبدون أن تنطق بكلمة واحدة أخرى , أخذت معطفها وخرجت من الشقة , وصفقت الباب خلفها , وسمعت بول يصيح كارن, ولكنها لم تتوقف.
وبعد انصراف كارن ساد صمت رهيب لعدة دقائق, كانت كل كلمة قالتها كارن تطن في رأس بول , ولم يستطع أن يخلص نفسه من الشعور بأنه أخطأ في حقها , وعودة روث لم تخرجه من عواطفه المشوشة كما كان يتصور , بالعكس لقد تضايق لأنها قطعت حديثه مع زوجته السابقة

الاميرة فاطيما
2013-11-06, 01:11 AM
7- المخربة الحمقاء
http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-a05476f4ba.jpg
في الساعة الثانية عشرة اتصل بول بكارن, كانت تحاول عبثا قراءة مجلة نسائية في غرفة الجلوس في منزل أمها عندما رن جرس التلفون , ورفعت السماعة وسمعت بول يقول:
" ساندرا موجودة في برايتون , أعطاني سيمون العنوان , أنه في حالة يرثى لها, تلقى منها رسالة بالبريد توضح كل شيء . ولا يبدو أن لديه أية ميول عاطفية في الوقت الحاضر".
تنهدت كارن بارتياح , ونقلت الخبر الى أمها فانفجرت بالبكاء , وقالت كارن:
" شكرا جزيلا على كل شيء يا بول ".
" حسنا يا كارن ... أخبرني آرون برنارد بأنه يريد الحضور..."..
قاطعته قائلة:
" ليس الآن".
ورد بول برقة قائلا:
" بل الآن . أنه يريد الحضور في حوالي الساعة الثانية , وبعد أن ينصرف , سآخذك أنت وأمك الى برايتون اتحضرا ساندرا".
ذهلت كارن... لقد توقعت أن تذهب وحدها الى برايتون لأحضار ساندرا فصاحت متساءلة:
" ولكن... ماذا عن روث؟".
" سوف أتصرف مع روث, هل يناسبك هذا؟".
ردت كارن بلهفة:
" بالطبع... متى أراك أذن؟".
" سأحضر مع آرون".
ثم وضع السماعة.
وتساءلت , لم يبد غاضبا كما توقعت , ولم تفهم الوضع , كان غاضبا عندما غادرت الشقة في الصباح, لعله ناقش الأمر كله مع روث , أو لعل روث ستأتي معه الى برايتون.
وسألتها مادلين:
" هل سنذهب أنا وأنت لأحضار ساندرا؟".
هزت كارن كتفيها وقالت:
" لقد أقترح بول أن يأتي معنا".
" الحمد لله , فقد تحدث مشادة بيننا وبين ساندرا وترفض الحضور , ولكن هذا لن يحدث في وجود بول".
قال كارن بتصميم:
" أن في استطاعة بول السيطرة على ساندرا , ونحن نعرف ذلك, حسنا, سأنصرف الآن يا أمي وسنمر عليك في حوالي الساعة الثالثة, هل توافقين؟".
" أوافق يا عزيزتي , وشكرا على كل ما فعلته".
ردت كارن بلهجة جافة وهي تفتح الباب الأمامي :
" لا داعي للشكر".
كانت لا تريد أمتنانا , بل أمانا فقدته في عالمها الصغير, ألم تحطم حياتها بنفسها منذ سنوات ؟ ما قيمة الوظيفة والحياة المستقلة الآن.
وأعدت كارن لنفسها وجبة بسيطة بدلا من الغداء , وارتدت حلة صوفية أرزت قوامها الرشيق , كانت تبدو طويلة نحيلة حلوة, وأسعدها هذا فقد أرادت أن تبدو جميلة في نظر بول , حتى لو كانت روث في صحبته , وعندما رن جرس التلفون تصورت أن المتحدث بول , فأمسكت بالسماعة وقالت:
" أنا كارن , هل حدث سوء؟".
واذا بصوت لويس يجيبها:
" لماذا يحدث أي سوء؟ كنت أحاول الأتصال بك طوال نصف ساعة".
ضاقت بلهجته المتسلطة وقالت:
" كنت في الحمام , وقد خرجت هذا الصباح , لأن ساندرا تورطت في متاعب جديدة".
تساءل لويس بشيء من الدهشة:
" صحيح؟ لا بد أنك اضطررت للأتصال بفريزر ثانية".
" نعم , وكيف عرفت؟".
" لقد تكهنت , جمعت أثنين وكان الحاصل أربعة".
" أوه, ماذا تريد يا لويس؟".
" أريد أن أقابلك".
" لماذا؟".
"لماذا؟ من أجل التصميمات الجديدة طبعا".
عضت كارن شفتها, هاهي تلاحظ شيئا ما في سلوك لويس ولا تستطيع تحديده بالضبط, ما الذي تستطيع قوله؟ أنه رئيسها وهي تعمل في شركته... لا تريد رؤيته ولكن ما الذي تستطيع فعله؟ لعل الوقت قد حان لتخبره بأنها ستترك العمل في شركته , وسألته وهي تتذكر أنها ستكون مشغولة طوال اليوم:
" هل أراك غدا؟".
" ولم لا أراك الليلة؟ هل لديك موعد؟".
وفكرت, أليس من الأفضل أن تراه وتنهي الموضوع, ووافقت رغما عنها , وقالت :
" وهو كذلك... هل تأتي الى هنا؟".
" لا ... أريدك أن تأتي الى المكتب , وأستطيع شرح خططي هناك".
وفكرت كارن... أن مقابلته في المكتب ستجعل اللقاء مجرد مقابلة عمل , فقالت:
" حسنا . متى؟".
" في السابعة , هل يلائمك هذا؟".
حسبت كارن في ذهنها المدة التي سوف تستغرقها في الذهاب الى برايتون والعودة , ثم قالت:
" أجعلها في السابعة والنصف".
"حسنا الى اللقاء".
ووضعت سماعتها , وتمنت لو أنه لم يتحدث اليها اليوم بالذات , وشعرت برجفة تسري في جسمها , كان صوت لويس غريبا , باردا, ومع ذلك لحوحا, تنهدت... لعل الخيال هو الذي صور لها أشياء غريبة... وسمعت طرقا على الباب فنسيت خوفها , وذهبت لتفتحه , ووجدت بول ومعه رجل في منتصف العمر, وأيقنت أنه آرون برنارد, وابتسم بول وهو يدخل مع رفيقه ويقدمه لها, وابتسم برنارد وهو ساهم فقد كانت عيناه تبحثان عن اللوحات التي جاء لمشاهدتها , وقال له بول:
" تستطيع أن تشاهد الرسوم على مهل, لأنني أريد التحدث مع كارن".
وخرج بول وكارن من غرفة الجلوس , وسألها:
" هل قلت لأمك كل شيء؟".
فأومأت برأسها , وعندما سألته عن المكان الذي تقيم فيه ساندرا قال:
" في منزل ريفي قريب من برايتون , لقد قال سيمون أنهما تعودا الذهاب الى هناك".
ثم سألها قائلا:http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-9247b0496e.jpg
" هل أنت عصبية؟ أقصد أن آرون سيحكم على لوحاتك؟".
أجابت بقلق:
" طبعا. أريد معرفة قراره , ومع ذلك أخشى سماعه".
وتنهدت... الواقع أن شعورها نحو لوحاتها لم يعد هاما , اذا قورن بمقابلاتها مع بول, ومع ذلك قالت:
" أنني أشعر بسعادة كبيرة, ولكن قلقي على ساندرا هو الشيء الوحيد الذي يحطم سعادتي".
أشعل بول سيكارة وتمتم قائلا:
" لا داعي للتركيز كثيرا على تلك الفتاة , من يدري قد يتضح أن الأمر كله ليس الا زوبعة في فنجان!".
أشعل بول سيكارة وتمتم قائلا:
" لا داعي للتركيز كثيرا على تلك الفتاة, من يدري قد يتضح أن الأمر كله ليس الا زوبعة في فنجان!".
ثم أستدار وفتح الباب الذي يؤدي الى غرفة الجلوس , ووقفت كارن وحدها قليلا في المطبخ , وأخذت تفكر, ترى ما الذي يدور في ذهن بول ؟ الواقع أنه لم يشر بأية كلمة الى المهزلة التي حدثت هذا الصباح , كما أنه لم يذكر روث, وعندما تذكرت محادثة لويس التلفونية الغريبة وعدم أكتراث بول بروث الآن , تصورت أن العالم أختل توازنه ... أن الأنسان هو الذي يصنع الأشياء , ولعل قلقها على ساندرا وأشتياقها الى بول أشاعا الحزن في نفسها, وهدأت من روعها وسارت الى غرفة الجلوس, كان بول وآرون يتحدثان سويا, ونظرا اليها عندما دخلت, فقالت وهي تحاول أن ترسم أبتسامة مرحة على وجهها:
" والآن, يا ساددتي , هل وصلتما الى قرار؟".
ابتسم آرون مشجعا وقال:
" نعم, ويسعدني أن أقول أن اللوحات أعجبتني, وأعتقد أنك أذا مضيت في طريقك على هذا النحو فستصبحين رسامة ممتازة ! واذا أستطعت رسم صور أخرى قبل الخريف , فأنني مستعد لعرضها في قاعة العرض الخاصة في شهر أكتوبر (تشرين الأول)".
شعرت كارن أن ذهنها قد تشتت تماما , فسألت بول:
" بول... لا أظن أنك تسخر مني؟".
هز بول رأسه مغتبطا. وابتسم آرون سعيدا, وأخيرا قال آرون:
" أنني سعيد جدا بهذه اللوحات... منذ متى ترسمين؟".
أجابت كارن بضعف وهي تنظر الى بول :
" منذ حوالي سنتين منذ هاتين السنتين اللتين كانتا طويلتين جدا".
وقال آرون:
" مدهش, أذا صدق رأيي فستجدين نفسك متفرغة لرسومك خلال عامين , هذا اذا أردت أن تتركي وظيفتك الحالية".
قالت كارن:
" رائع!".
وقال آرون مبتسما:
" أذن تعالي لمقابلتي في الأسبوع المقبل, هل تستطيعين الحضور يوم الأربعاء في الساعة الثانية عشرة في قاعة عرضي؟".
" مدهش ... أنني لا أستطيع التعبير عن شكري يا سيد برنارد".
" أنني رجل أعمال يا آنسة ستاسي , ولو كنت رساما, وأعنقد أن لوحاتك مريحة جدا , والسوق مزدهرة في الوقت الحاضر".
وانصرف آرون, والتفتت كارن الى بول وقالت وهي تبتسم :
" أنه لطيف جدا, أليس كذلك؟ شكرا يا بول ".
هز بول كتفيه وقال يداعبها:
" حسنا... ستكونين كارن ستاسي الفنانة!".
وترددت كارن لحظة ثم جرت نحوه وألقت بنفسها بين ذراعيه , والدموع تسيل على خديها وقالت:
" بول ماذا أستطيع أن أقول أو أفعل؟".
رد بول باقتضاب:
" كوني ناجحة فقط!".
ثم أبتعد عنها بلطف , ولم تفهم كارن... ولكنها شعرت بأصابع الوحدة الباردة تلمس قلبها ثانية, وتمتمت قائلة:
"هيا بنا... لا بد أن أمي تنتظرنا في قلق".
ووصلا الى منزل مادلين, وكانت واقفة أمام الباب , واتسعت عيناها في أنبهار وهي تجلس في السيارة الفارهة , كانت تحلم دائما بحياة رغيدة , أما كارن فقد شعرت بالسيادة وهي قريبة من بول, وقطعت أمها الصمت عندما سألت:
" في أي فندق تقيم ساندرا؟".
" في مكان أسمه بارن باول, وهو أقرب الى حانة منه الى فندق!".
صاحت مادلين:
" أوه... بول... هل تقيم ساندرا في مكان كهذا؟".
قال بول وهو ينظر الى كارن:
" كان سيمون يأخذ صديقاته الى هناك!".
قالت مادلين مستنكرة:
" لماذا يتصرف سيمون بمثل هذه الحماقة وهو رجل متزوج؟".
" لا تسألينني , فلست حارسه بقدر ما أنت حارسة ساندرا".
شعرت مادلين بالأهانة , وأخرجت كارن علبة سكائرها وأشعلت سيكارتين , وقدمت واحدة لبول, وأخذها بطريقة طبيعية كما كان يفعل دائما , كانت عادة مفضلة من سالف الأيام!
وأستغرقت الرحلة الى بارن باول حوالي ساعة, كانت الرياح عاصفة والجو باردا , ودخلوا المبنى من باب منخفض , واضطر بول الى أن يحني طهره , حتى يستطيع أن يمر منه , وظهرت أمرأة متقدمة في السن في مكتب الأستقبال وسألتهم:
" هل أستطيع أن أقدم لكم أية خدمة؟".
قال بول:
" أننا نبحث عن فتاة أسمها ساندرا ستاسي , وأعتقد أنها تقيم هنا".
بدت الدهشة على وجه المرأة وأجابت في أدب:
" لا توجد هنا فتاة بهذا الأسم".
ولم ينزعج بول وعاد يسألها:
" هل جاءت الى هنا فتاة شابة الليلة الماضية أو هذا الصباح؟".
ضاقت عينا المرأة وقالت:
" لقد جاءت فتاة وقالت أن أسمها الآنسة نيكولسون".
شهقت مادلين بصوت مسموع , وقالت المرأة وقد أنتابها الشك:
" هل هي في ورطة أم أنكم أصدقاؤها؟".
أجاب بول:
" أنها ليست في ورطة , هذه هي أمها وهذه أختها , وقد هربت من المنزل أمس وحضرنا لنأخذها!".
بدا الأرتياح على وجه المرأة , وسألتها مادلين في قلق:
"هل هي هنا, يجب أن أراها".
" نعم, أنها في غرفتها , سأذهب لأخبرها بوصولكم".
وقال بول:
" لا تزعجي نفسك أرجوك, فقط أرشدي أمها الى غرفتها لأنني أعتقد أنها تود أن تراها وحدها لدقيقة".
عبست المرأة وهزت كتفيها وقالت:
" حسنا, هل أفهم من هذا أن الآنسة نيكولسون ستدفع حسابها اليوم أيضا؟".
عض بول شفته وقال:
" لماذا؟".
" لقد غيَرت ملاءات السرير وأعددت وجبة خاصة".
" نستطيع أن نسوي هذا الأمر".
وهنا أبتسمت المرأة في أرتياح.
وتضايقت كارن من أستهتار أمها وعدم مراعاتها للناحية المالية, كانت متلهفة فقط على العثور على ساندرا , ستقول لها بالطبع أنها حمقاء , ثم تسامحها!

وقادت المرأة مادلين الى غرفة ساندرا, ثم عادت الى مكتب الأستقبال وـخذت تتحدث مع بول, وراحت كارن تتجول في غرفة الجلوس , وبعد قليل لحق بها بول وهو يعيد محفظة نقوده الى جيبه , واحمر وجهها خجلا, ولكنها حاولت أن تبتسم وقالت:
" أنه مكان لطيف".
رد بول بعنف:
" سيكون ألطف عندما نتركه وراءنا, وسوف نعود فورا الى لندن والى طبيب أعرفه".
" طبيب لساندرا؟".
" طبعا, أريد حل هذا اللغز, أنا شخصيا لا أعتقد أن ساندرا حامل, قد يكون هذا صحيحا بالطبع, ولكننا نستطيع التأكد بعد أن يفحصها ".
ضمت ساندرا يديها وقالت:
" أرجو أن تكون قد أختلقت القصة , رغم أن هذا شيء فظيع, ولكنه سوف يريحنا".
ابتسم بوب فجأة وكانت عيناه دافئتين وقال:
" نعم... واذا أتضح أن المسألة كلها كذب فسيكون لي كلام عنيف مع الآنسة ساندرا".
وارتجفت كارن وتدثرت بمعطفها , كان بول يبدو قويا مليئا بالحيوية في معطفه السميك وحلته القاتمة, بينما شعرت كارن بالضعف والضياع , ليتها تجرؤ وتبوح له بمشاعرها , ترى ماذا يقول عندئذ؟ هل سيذكرها بالتزاماته الأخرى, وبأن موعد زفافه يقترب بسرعة , وسألته فجأة:
" أخبرني , هل تناولت الغداء مع روث؟".
"لقد تناولت روث الغداء مع والديها , لماذا؟".
" كنت أتساءل اذا كانت قد أعترضت على حضورك معنا الى هنا".
نظر اليها بول مليا ثم قال:
"لا ... لم تعترض... أن رأي روث لا يهمني الآن!".
رددت كارن عبارته: لا يهمك! ولم تستطع أن تمنع قلبها من أن يقفز , وحملق بول في وجهها وشعرت بأنها تحترق أمام تعبيرات عينيه , ترى ما معنى كل هذا؟ وماذا يقصد؟".
وسمعت وقع أقدام في القاعة , ووصلت ساندرا الى غرفة الجلوس وتبعتها مادلين والدموع في عينيها , كان غضبها عنيفا وشبابها متحديا.
وقال بول:
" أهلا يا ساندرا , يا لها من مفاجأة سارة!".
تحول وجه ساندرا الى لون قرمزي وقالت ببرود:
" لا تثير ضحكي. ما هذا ؟ رحلة مدرسة الأحد؟".
أجاب بول بابتسامة تحول حول فمه:
" لا ... أنها فرقة أنقاذ! ألست سعيدة برؤيتنا يا عزيزتي؟".
قالت ساندرا بمرارة:
"لا داعي لأن أرد على هذا السؤال".
قال بول وقد اختفت ابتسامته:
" صحيح؟ يا لك من فتاة متعبة! هيا أين حقيبة ملابسك؟".
قالت مادلين بصوت ضعيف:
" في القاعة".
وخرجوا .... كانت السيارة دافئة, وشعرت ساندرا بالدفء والراحة بعد غرفتها الباردة وسريرها الصلب, وفي الطريق قال بول بجرأة:
" أنت حامل أذن يا ساندرا؟".
كان واضحا أنها لم تكن تتوقع مثل هذا الهجوم السافر , فقالت في تحد:
" نعم".
" هل أنت متأكدة؟".
عضت كارن شفتها ونظرت الى وجه أختها القرمزي , وأجابت ساندرا ببرود:
" بالطبع متأكدة , أن للنساء طرقهن الخاصة في معرفة هذه الأشياء كما تعلم , وأنا لست طفلة".
ووافق بول برقة قائلا:
" وأنا واثق أنك لست طفلة , أن الطفلة لا تستطيع أن تضع مثل هذه الخطة المعقدة, يهمني أن أعرف , في أية حال , كيف وصلت الى هنا".
" لقد حضرت الليلة الماضية بعد أن طلبت من سيارة لوري أن توصلني".
صاحت مادلين:
" يا ألهي, كان يمكن أن يغتصبوك أو يقتلوك أيتها الطفلة الحمقاء!".
ردت ساندرا بوقاحة:
"لست طفلة , أنكم لا تفهمون أبدا, لا أحد منكم يفهم!".
رد بول بسرعة:
" ولا أنت تفهمين يا ساندرا, أنك في حالة بائسة يا فتاتي الصغيرة".
" كيف تقول هذا؟ أنني أحب سيمون , هل هناك شيء أبسط من هذا؟".
رد بول بقسوة:
" كان يمكن أن يكون الوضع أبسط لو أن سيمون يحبك, هل يهمك أن تسمعي ما قاله لي هذا الصباح , عندما أعطاني عنوانك؟".
شهقت قائلة:
" هل أعطاك عنواني؟ كيف يفعل هذا؟".
عندئذ صاحت كارن بنفاذ صبر:
" وكيف تعتقدين أننا عرفنا مكانك؟".
ردت ساندرا في وجوم:
" صحيح... حسنا ماذا قال لك يا بول؟".
" لقد رجاني أن أحضر الى هنا لأخبرك أن علاقته معك قد أنتهت , ألا تعتقدين أنه كان يتعين عليه الحضور بنفسه اذا كان يحبك حقا؟".
بدت ساندرا أقل ثقة بنفسها , وصاحت بصوت حاد:
" سوف يطلق زوجته".
قال بول ببرود:
" لا أعتقد هذا, أن سيمون لا يعتزم أن يتزوجك , هل تستطيعين أن تتصووريه وع زوجة وطفل بلا عمل, أنني بالتأكيد لن أساعده".
أ؟نفجرت ساندرا بالبكاء وصاحت بمرارة:
" يا لك من أخ".
هز بول كتفيه وقال:
" مهما أكون فأن هذا خارج الموضوع , لقد أستمتع بصحبتك وهو في العادة يحب الفتاة ثم يتركها , فلا تلومي الا نفسك".
وهنا بكت ساندرا بطريقة تثير الرثاء.

" ولكن الطفل, أنه طفل سيمون ... ويجب أن يتزوجني".
سألها بول بلا حرج:
" وهل هذا هو السبب الذي جعلك تختلقين القصة؟ لترغمي سيمون على أن يتزوجك؟".
صاحت ساندرا:
" أختلق القصة؟".
وبدا عليها الوهن الشديد, وبدأت تصدق أنها حامل فعلا, وأخيرا قالت:
" أنك لا تصدقني يا بول... لقد كنت دائما أحبك , فكيف تكون بهذه القسوة؟".
" ساندرا ... لقد قلت أنك لست طفلة , حسنا ... أذن يجب أن نعاملك كفتاة ناضجة , وباعتبارك فتاة ناضجة أقول أنني لا أعتقد أنك حامل, وأستطيع في الواقع أن أذهب الى حد المراهنة على ذلك".
بدأت مادلين تبكي... وشعرت كارن برغبة في الضحك! يا لها من أسرة عجيبة , أسرة ستاسي هذه؟
وأصرت ساندرا قائلة:
" أنني حامل حقيقة".
رد بول بسرعة:
" أذن دعينا نذهب رأسا الى طبيبي ونتأكد من هذا".
ولاحظت كارن أنه يبدو مشمئزا الآن, وتساءلت جادة عما اذا كانت ساندرا كاذبة!
كان واضحا من وده ساندرا أنها لم تكن تتوقع طرح هذا الموضوع, فقالت:
" طبيب! لست في حاجة الى أن يفحصني طبيب!".
" ولكنني أريد التأكد , أذا كنت تقولين الصدق, فليس هناك ما تخافين منه!".
أجهشت ساندرا بالبكاء , وقالت:
" أنكم جميعا ضدي , حتى سيمون ضدي, لقد سافر الى نوتنغهام , ولم يفكر في الكتابة الي وكان لا بد أن أفعل شيئا!".
ثم أختنق صوتها .
وشعرت كارن بالغثيان , بدا واضحا أن ساندرا كاذبة, وظلت مادلين صامتة لحظة ثم قالت:
" أيتها الفتاة الشريرة! كيف تجرؤين على هذا الكذب؟ لقد كدت تقتلينني".
بكت ساندرا وقالت متجاهلة أمها:
" أنني أحب سيمون , أحبه... ألا يهتم أحد منكم بشعوري؟".
ففاجأها بول بقوله:
" كلنا نهتم بما يحدث لك, أحمدي الله أنك بخير".
شعر بول بالأرتياح , وقالت كارن غاضبة:
" أنك لا تستطيعين الحصول على كل ما تريدين بالخداع والكذب يا ساندرا, أنك تثيرين أشمئزازي , ألا تفكرين في أحد الا نفسك".
ولم ترد ساندرا , وأخرجت كارن سيكارتين وأشعلتهما , وناولت بول سيكارة , لقد مرت الأزمة وبدأت الآن تخشى النهاية , وظلت ساندرا تبكي طوال الطريق حتى وصلوا الى بيت أمها , ودخلوا جميعا, وألقت ساندرا بمعطفها على وقعد , وحاولت الصعود الى غرفتها ولكن بول أمسك بذراعها وقال بحسم:
" أريد أن أتحدث معك يا فتاتي الصغيرة , تعالي معي".
ودخل معها الى غرفة الجلوس وأغلق الباب تاركا مادلين وكارن في القاعة, وأرادت مادلين أن تفتح الباب , ولكن كارن هزت رأسها وأوقفتها, وفي غرفة الجلوس أستمعت ساندرا الى صوت بول الصارم , وهو يشرح لها كيف أهانت أمها , وكيف أثارت قلق الجميع , ولم يشر الى سيمون , لعله كان على حق , وفي هذه اللحظة بدا سيمون مختلفا تماما عن الرفيق اللطيف الذي عرفته وتصورت أنها أحبته , وبعد ذلك , تركها تذهب الى غرفتها لتغير ملابسها .
وقابل بول كارن في القاعة فابتسمت له وقالت:
" شكرا على كل شيء".
رد برقة:
" والآن هل تأتين معي؟".
فترددت كارن وقالت:
" أن أمي لا تزال مضطربة ".
" ما رأيك أذن في أن نتناول العشاء معا؟".
وتذكرت كارن موعدها مع لويس فقالت:
" لا بد أن أقابل لويس في الساعة السابعة والنصف".
وتصلب وجه بول وتمتم:
"صحيح... سأنصرف أذن!".
حاولت كارن أن تشرح له الوضع , فقالت:
" لا بد أن أذهب الى المكتب وأقابله هناك, في أية حال لن أتغيب كثيرا".
وتردد بول, كان يريد تصديقها فقال:
" وهو كذلك, ما رأيك في أن تأتي الى شقتي بعد مقابلة مارتن , نستطيع أن نتناول العشاء هناك اذا شئت".
ذهلت كارن... لا يمكن أن يكون هذا صحيحا, لقد طلب منها بول أن تذهب الى شقته وتتناول العشاء معه, معنى هذا أنه لم يعد يهتم بروث , ولكن لماذا؟ ماذا حدث؟
همست كارن قائلة:
" مدهش!".
وقبلها وانصرف, وتسمرت كارن في مكانها , هل يمكن أن يكون هذا حقيقة... أنه ليس حلما بالتأكيد , كم تمنت أن يكون حقيقة, لقد بدأت الأمور تستقر أخيرا, فقد عادت ساندرا الى بيتها , ولم تعد تتعرض لأي جطر من سيمون , واذا عادت هي الى بول , فأن ساندرا ستجد فيه المرشد الذي تحتاج أليه , كما أن مادلين ستسعر بالسعادة لأسباب مالية بالطبع, أما بالنسبة الى كارن, فأن بول نفسه هو الذي تريده , الآن ودائما.
وعادت كارن الى شقتها سيرا على الأقدام , استمتعت بهواء الليل البارد يلمس وجهها , كان المساء صافيا تنيره النجوم, وشعرت بحيويتها القديمة تعود اليها , سترى بول الليلة ثانية , وهو الذي طلب منها ذلك ... أرتدت ثوبا من القطيفة الحمراء الداكنة وفوقه معطفها الموهير الواسع, وبدت سعيدة متألقة!
كانت مكاتب شركة لويس مارتن للنسيج تغرق في الظلام فيما عدا الضوء الوحيد في أعلى المبنى, حيث يقع مكتب لويس, وشعرت كارن بسعادتها تخبو قليلا وهي تدخل المبنى , وانتابها أحساس بالخوف! وأستقلت المصعد الى مكتبه , وطرقت الباب ودخلت فوجدت لويس جالسا أمام مكتبه , ولاحظت أنه يبدو متوترا مرهقا , وتساءلت : ترى ما الذي يضايقه ؟ وشعرت بشيء من عدم الأرتياح في حضرته, وعند دخولها نهض واقفا . وأخذ ينظر اليها بعينين نفاذتين .

وقال لويس وهو يحاول الأبتسام:
" أهلا يا كارن ... أجلسي أرجوك".
وجلست على الكرسي المنخفض أمامه , وجلس لويس أيضا وراقبها وهي تشعل سيكارة ,, وشعرت بضيق عندما وجدت أصابعها ترتجف, ولاحظ لويس ذلك فسألها:
" هل تشعرين ببرد؟".
قالت بابتسامة مغتصبة:
" كلا".
" عصبية اذن؟".
وكانت السخرية واضحة في عبارته , فردت قائلة:
" لماذا أشعر بالعصبية معك يا لويس؟".
هز كتفيه قائلا:
" صحيح لماذا؟ أنك تعرفين يا كارن أنني لا أريد الا مصلحتك, وقد كنت دائما صديقا طيبا لك".
عضت كارن شفتها , ترى ا الذي يريد أن يقوله؟ وقالت:
"نعم يا لويس... أظن ذلك".
" تظنين؟ ماذا تقصدين بهذه الملاحظة ؟".
وضاقت عيناه ... وتمنت كارن لو أنها لم تنطق بتلك العبارة, والحقيقة أنها أرادت أن تصفي موضوع لويس, وما أبلغه لبول من أنهما كانا عاشقين فلا بد أن يكون هناك تفسير لذلك , ولكنها عدلت, فلم يكن المكان ولا الزمان مناسبين لمناقشة هذا الموضوع الحساس.
وقالت له:
"لا تستشف أي شيء من ملاحظتي يا لويس , لقد كانت عبارة بريئة تماما".
تردد لويس لحظة ثم نهض واقفا وقال:
" أنني مسرور جدا لأنك حضرت يا كارن".
" ماذا تريد أن تقول أذن؟".
" لقد أردت في الواقع التحدث معك, لم أجد فرصة في هذه الأيام الأخيرة فأنت مشغولة دائما".
عبست كارن وقالت:
" كنت أساعد ساندرا للخروج من مشكلتها مع سيمون فريزر , اذا كنت تقصد ذلك. آسفة أذا تصورت أنني أهملت عملي".
رد بابتسامة فاترة:
" لقد أشرت الى العمل مع أنني لم أذكر ذلك, لقد كنا صديقين حميمين يا كارن, وفي الأيام الأخيرة شعرت أنك لا تريدين رؤيتي على الأطلاق ! ولا تأتين الى المكتب الا نادرا!".
أعترضت كارن بقولها:
" هذا غير صحيح , أننا لم نكن صديقين حميمين , كنت تعرف أننا لا نستطيع أن نكون أكثر من مجرد صديقين".
ظهر بريق غريب في عيني لويس وقال:
" صديقان ... وهل بول فريزر صديق لك الآن؟".
تضايقت من موقفه , ومع ذلك خافت أن تعاديه وهو في هذه الحالة فقالت:
" أنا وبول ... هذا أمر من شأننا وحدنا ".
" لعلك تعرفين الآن أنه فسخ خطبته لروث".
وهنا حاولت كارن أن تحتوي سعادتها , معنى هذا أن بول حر... ولكن لا بد أن السعادة بدت على وجهها , فقد نظر اليها لويس والشرر في عينيه, وأخيرا قالت:
" لم أكن أعرف ذلك, وكيف عرفت أنت؟".
" لقد تناولت الغداء مع روث اليوم!".
" ولكن روث لا تعرفك!".
" نعم, ولكنها اتصلت بي تلفونيا أنها تعرف شعوري نحوك, وتصورت أن كلا منا يستطيع مساعدة الآخر, أنها لا تزال تريد بول بقدر ما أريدك!".
" أنك تعرف جيدا أنني لا أستطيع أن أتزوجك مهما حدث".
" هذا غير صحيح, قبل ظهور فريزر نشأت بيننا علاقة كان يمكن أن تنتهي بالزواج!".
" لا يمكن أن أتزوجك يا لويس , وسوف أترك العمل في شركتك".
رد بصوت أجش:
" لا تحسبي أن في وسعك تنحيتي جانبا وكأنني حذاء قديم, لقد قدمت لك الكثير... قدمت منزلا وعملا , وأهم من ذلك أنني أحببتك".
" ولكن لا يمكن أن نتزوج , لست من طرازي ولست من طرازك".
" أن فريزر يريد أن يحطم حياتك مرة أخخرى".
"لماذا أذن فسخ خطبته لروث؟".
" لعله تعب منها أيضا".
أحنت كارن رأسها , كان في كلمات لويس شيء من المنطق .
وأخيرا قالت بوضوح:
" مهما كان قراري فهو يخصني وحدي يا لويس , ولن أغير موقفي نحوك... لا يمكن أن أتزوجك فأنت أكبر مني بكثير".
أمتقع وجه لويس وقال:
" لم اكن أكبر منك بكثير عندما جاء أسمي في قضية الطلاق, لقد كنت موضع أستغلالك يا كارن, وأنت لا تستطيعين نكران هذا".
" ولكنك رفضت أن أدافع عن نفسي , كنت تعرف جيدا أنني بريئة , وأستطيع أثبات براءتي, لقد قضيت ليلة في شقتي يا لويس لأن الوقت تأخر والضباب كان كثيفا, ونمت تلك الليلة في غرفة وحدك, فكيف عرف بول؟".
" كان يريد الطلاق , وكان له مخبروه".
" وكيف عرف بول أنك قضيت تلك الليلة بالذات في شقتي ؟ لا بد أنك خططت لكل شيء!".
أقترب منها وقال:
" ألا ترين أنني أريد مصلحتك؟ أنني الشخص الوحيد الذي يحبك الى حد الجنون!".
" يجب أن أنصرف".
" لا تنظري اليَ باحتقار يا كارن, هذا البول فريزر , لقد كان آفة حياتي!".
" يجب أن تعرف أنني أحب بول وسأحبه دائما؟".
عندئذ أمسكها من كتفها و قال:
" لقد أعتقد بول في يوم ما أنك عشيقتي , ماذا سيكون رد فعله اذا أكتشف أنك عشيقتي الآن؟".
سألته بأنفاس متقطعة :
" ماذا تقصد؟".
" أنك تعرفين ماذا أقصد, نحن وحدنا الآن , ماذا يمنعني من....".
صاحت في هلع:
" أنك مجنون شرير!".
وحاولت أن تتخلص من قبضته , ووقع نظرها على ثقالة الورق فوق المكتب , هل تضربه بها فوق رأسه؟ لا ... لعل لويس يريد أن يخيفها فقط.
وفجأة تركها واتجه نحو الباب, وأدار المفتاح في القفل, وعندئذ أمسكت بثقالة الورق وألقت بها على النافذة خلفها, ودوى صوت تحطيم الزجاج ثم ساد الصمت.
ووقف لويس مذهولا ثم أنفجر غاضبا:
" أيتها المخربة الحمقاء!".
" تتحدث عن التخريب , ألم تخرب أشياء كثيرة في حياتك , ألم تحطم زواجي مثلا؟".
وفجأة سمعا طرقا على الباب, وعبس لويس بينما شعرت كارن بشيء من الأرتياح , ثم سمعت صوت بول يقول:
" مارتن... أفتح الباب , أريد أن أتحدث اليك". منتديات ليلاس
صاحت كارن:
" بول... أنا هنا".
واشتد الطرق , واضطر لويس الى فتح الباب , ودخل بول ونظر الى لويس والشرر يتطاير من عينيه , ثم سأل كارن:
" هل أنت بخير؟".
أومأت برأسها وهي تحاول أن تمنع شفتيها من الرعشة ... وتفرَس بول في وجه لويس وقال بشراسة:
" لو أنك أذيتها لقتلتك!".
رد لويس ببرود:
" أنني لم ألمسها , لا الآن ولا في أي وقت , لم أغتصب أمرأة في حياتي ... خذ أمرأتك يا فريزر , وأخرجا من هنا, أنني لا أريد أن أراكما ثانية".
طلب بول من كارن الخروج , فسارت نحو المصعد وهي ترتجف قليلا , وبعد لحظة سمعت صوت صفعة ولكمة , وعندما لحق بها بول نظرت اليه مستفسرة , فابتسم بخبث وقال :
" لقد فعلت شيئا كنت أتمنى أن أفعله منذ مدة طويلة , والآن هيا نعود الى شقتي!".
وشعرت بدفء الشقة يرحب بها... ووجدت مائدة معدة لأثنين , وتمتمت قائلة:
" لا تتصور مدى سعادتي بأن أكون هنا معك يا بول!".
فضغط برقة عللا يديها , وجلست كارن على مقعد وسألته:
" ما الذي جعلك تذهب الى المكتب في تلك اللحظة الحاسمة؟".
" لقد تلقيت مكالمة تلفونية من روث عندما عدت الى شقتي , وأبلغتني أنك ستقابلين مارتن في تلك الساعة, تناولت معه الغداء ولاحظت أنه في حالة غير طبيعية , كانت تأمل أن يقنعك بأن تتزوجيه , حتى لا أفكر فيك أبدا بعد ذلك!".
" أنت تفكر في يا بول؟ هل أنت جاد؟".
أجاب وهو ينظر اليها في حنان:
" أنني أحبك يا كارن . ولم أتوقف لحظة عن حبك , ويجب أن تتزوجيني ثانية ".
قالت كارن:
" أكمل ما كنت تقوله يا حبيبي, أريد أن أعرف .
تنهد بول وقال:
"عندما قابلت روث لويس لاحظت أنه غير طبيعي , فقررت الأتصال بي تلفونيا لتخبرني أنه قال بأنه ينوي تسوية كل شيء معك الليلة, وأنتابني القلق , وقررت الذهاب الى المكتب , وعندما وصلت, سمعت صوت زجاج يكسر , وعندما فتح لويس الباب ورأيتك واقفة شاحبة خائفة كدت أقتله!".
" أوه يا بول... أنني أرثى لحاله".
" لماذا؟ لقد بذل كل ما في وسعه ليحطم حياتنا".
" ولكن كيف صدقت يا بول أنه يمكن أن تكون لي علاقة مع رجل مثله؟".
عبس بول وقال:
" أنك لا تعرفين حقيقة ما حدث يا كارن , لقد قابلني مارتن قبل الطلاق, وأخبرني أنكما عاشقان , وأنك تريدين الطلاق ولا تريدين مقابلتي! فصدقته, فلم يكن هناك ما يجعلني أشك في كلامه , خاصة أنك لم تحاولي مقابلتي بعد أن تركت البيت".
" أن لويس هو الذي نصحني بعدم مقابلتك".
" لقد قلت له أنني أحتاج الى دليل حاسم على خيانتك , فقدم لي تفاصيل ليلة زعم أنه سيقضيها معك في شقتك , فأستأجرت مخبرا خاصا ليتأكد من كل شيء رسميا , وقال المخبر أن لويس قضى الليلة في شقتك, وصدقته بالطبع!".
بلعت كارن ريقها بصعوبة, وشعرت بالألم يعتصر قلبها لأن لويس تعمد تحطيم حياتها ولم يفكر الا في نفسه فقط! وقالت:
" لقد قضى الليلة في شقتي , لأنه قال أن الوقت متأخر والضباب كثيف, ونام في غرفة منفصلة , صدقني يا بول".
ابتسم لها وقال برقة:
" أنني أصدقك , وأدرك الآن كيف يسهل خداع أي أنسان!".
وهمست كارن:
" الحمدلله , لم أكن أريد البعد عنك , لو أنك قلت لي أنك تريدني لعدت اليك جريا!".
" والآن؟".
" هذا يتوقف عليك... هل تحتمل عودتي؟".
" بل لا أحتمل بعدك".
" ومتى نستخرج ترخيص الزواج؟".
وتاه الرد في عناق حار تاقت مشاعرهما اليه منذ مدة طويلة.
تمت

http://www.iq29.com/travel//uploads/images/travel-514f9c130b.jpg

أوجاع قلبي
2013-11-06, 09:07 PM
جميله جدا الروايه تبعتها كلها معاكى ياقمر شدتنى جدا